بعد عقود من حضوره القوي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ونضاله ضد الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، يستعيد لاهوت التحرير زخمه اليوم ويجذب اهتماماً متجدداً لدى باحثين وكاثوليك ذوي توجهات اجتماعية. هذا الاهتمام يتغذى من أعمال بحثية ومبادرات ثقافية، بينها الوثائقي إنجيل الثورة الذي صدر في سبتمبر 2025 ويستمر عرضه في يناير 2026 بدعم من منظمات كاثوليكية مثل CCFD-Terre Solidaire وجماعة Anastasis، ويتتبع مسيحيين اختاروا، انطلاقاً من إيمانهم، مواجهة الظلم منذ منتصف ستينيات القرن الماضي في أمريكا اللاتينية، حيث انخرط كهنة ورهبان ومعلّمون علمانيون في خدمة الفقراء ووصل بعضهم إلى حمل السلاح في مواجهة أنظمة عسكرية استبدادية، ودفع كثيرون حياتهم ثمناً لذلك، ومن أبرزهم رئيس أساقفة سان سلفادور أوسكار روميرو الذي اغتيل عام 1980 وطُوّب في 2015.
يُظهر الفيلم الدور الحاسم للمسيحيين الكاثوليك في إسقاط الديكتاتوريات في البرازيل ونيكاراغوا والسلفادور، وفي الدفاع عن استقلال الشعوب الأصلية في تشياباس بالمكسيك، كما يستعيد مرحلة التوتر مع الفاتيكان في الثمانينيات حين وُصِف لاهوت التحرير بالنزعة الماركسية واتُّهم بالتواطؤ مع الشيوعية، فاستهدفته تعليمات صدرت عامي 1984 و1986 بإشراف الكاردينال جوزف راتسينغر وبتوقيع يوحنا بولس الثاني، وأُرغمت شخصيات بارزة مثل اللاهوتي البرازيلي ليوناردو بوف على الصمت، وعُلِّقت كهنوتية إرنستو كاردينال بسبب نشاطه السياسي وزيراً للثقافة في الحكومة الساندينية الأولى بنيكاراغوا، وهي قضايا لاقت صدى إعلامياً كبيراً آنذاك في فرنسا حيث استقبلت الأوساط الكاثوليكية التقدمية وكليات اللاهوت مشروع لاهوت التحرير بحماسة.
ورغم سردية التراجع منذ تسعينيات القرن الماضي بفعل تشدد السلطات الكنسية وخيبات اجتماعية كتعثر الإصلاح الزراعي في البرازيل وانحراف التجربة الساندينية، تسللت أفكار لاهوت التحرير إلى التعليم الاجتماعي الكاثوليكي. فقد أُدرج الخيار التفضيلي للفقراء، الذي أقره أساقفة أمريكا اللاتينية عام 1979، في تعليم الكنيسة الرسمي خلال حبريّة يوحنا بولس الثاني، كما قُبل استخدام أدوات التحليل الماركسي بوصفها مناهج قراءة اجتماعية ما دامت لا تمسّ جوهر الوحي. ولم يُدان غوستافو غوتييريز (1928-2024)، الكاهن البيروفي الذي صاغ مفهوم «لاهوت التحرير»، والذي شدد على أن الفقراء يجب أن يصيروا «فاعلين للتاريخ» بهدف نمو «ملكوت الله» الذي بدأه المسيح، وأن الخلاص، بوصفه شركة مع الله وبين البشر، يستدعي اقتلاع الظلم. وقد استقبله البابا فرنسيس في روما وكتب مقدمة لأحد كتبه الأخيرة، كما نُوّه بهذا التيار في الإرشاد الرسولي Dilexi te الصادر في 4 أكتوبر 2025.
في فرنسا تتزايد المؤشرات على اهتمام جديد، من بينها النجاح النسبي للوثائقي إنجيل الثورة وما تبعه من لقاءات في كليات اللاهوت. ففي الأول من ديسمبر عُقدت في المعهد الكاثوليكي بباريس ندوة بعنوان «الحمولة السياسية للإنجيل» عقب عرض الفيلم، أكد خلالها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي-البرازيلي مايكل لوي، مؤلف «صراع الآلهة»، أن لاهوت التحرير لا يزال فاعلاً بقوة في البرازيل، مشيراً إلى أن الجمعية الوطنية للمجتمعات الكنسية الأساسية، التي نشأت مع هذا التيار، تجمع آلاف المندوبين سنوياً. ويواكب هذا الحراك بروز يسار كاثوليكي جديد في باريس، تقوده فئة شابة مرتبطة بـ«كافيه الدوروثي» وجماعات Anastasis و«نضال وتأمل»، يعيد قراءة لاهوت التحرير بروح عملية وثورية. الصحفي تيموتيه دو راغلودر زار البرازيل والمكسيك عام 2022 والتقى فاعلين معاصرين وأجرى مقابلة مع غوتييريز، ثم أصدر كتابه «الحصّادون: في قلب لاهوت التحرير»، وشارك في مجموعات قراءة كتابية مع أشخاص في وضع هشّ يستعيدون النص الإنجيلي انطلاقاً من واقعهم سعياً إلى التحرر من القهر، وهي ممارسة محورية في هذا التيار.
يوفّر لاهوت التحرير «طريقاً ثالثاً» بين علمنة تُفرغ الدين من محتواه الاجتماعي واستغلال ثيوقراطي يوظّف اللاهوت لتقديس السلطة؛ فهو يكشف آليات الاستحواذ ويواجه تقديس المال والقوة العسكرية بوصفهما أشكالاً من عبادة الأصنام، ويجمع بين نقد السلطة والخبرة الروحية داخل جماعات مسيحية تتلمّس بنوتها لله وتدفع نحو تحول ملموس في الحياة العامة. ويتعزّز الاهتمام بهذا النقد اللاهوتي السياسي مع عودة تيارات في مناطق مثل روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل تسعى إلى شرعنة السلطة دينياً.
كما اتسع نطاق «لاهوتات التحرير» اليوم ليشمل أفريقيا وآسيا وفلسطين، ما رسّخ ضرورة مقاربة راديكالية للفقر: فالبؤس والعنف والاضطهاد ليست قضايا اجتماعية فحسب، بل أسئلة إيمانية تستوجب إنارة الإنجيل. لم يعد الأمر مساعدة الفقراء فقط، بل الاعتراف بأن كل وضعية فقر، بما هي ظلم، تمثل سؤالاً لاهوتياً أساسياً. ويؤكد فرنسوا أودينيه، مرشد عام في Secours Catholique، أهمية قراءة الإنجيل مع الأشخاص في الهشاشة، لأن استعادة النص معهم تكشف معاني تحريرية وانتباهاً حقيقياً للأشد فقراً، وهو قلب لاهوت التحرير.
المادة مستندة إلى تقرير أصلي نشرته مجلة «لا في» على موقعها.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93772545/aaod-laho...