عندما تتحوّل المائدة إلى سرّ من أسرار الدولة


Rédigé le الاثنين 29 يونيو/جوان 2026 à 19:17 | Lu 0 commentaire(s)



يقدّم الصحفي البولندي فيتولد شابلوفسكي في كتابه «كيف تُطعم دكتاتورًا؟» قراءة مختلفة للسلطة المطلقة، من خلال تتبّع حياة من كانوا يطبخون لصدام حسين، عيدي أمين، أنور خوجة، فيديل كاسترو وبول بوت.

تنبع قوة الكتاب من زاويته البسيطة والعميقة في آن واحد: الدخول إلى عالم الطغاة عبر ما يأكلونه، وما يخافونه أن يُقدَّم لهم، وما يطلبونه في لحظات الحرب والسلم، لا عبر خطاباتهم أو صورهم الرسمية. إنّه تقرير سياسيّ مكتوب بلسان الطهاة، أولئك الذين عاشوا أقرب ما يكون إلى الحاكم، وأبعد ما يكون عن القدرة على التأثير في قراراته.



فكرة الكتاب: فهم الديكتاتور من طبق الطعام

يقوم المشروع على سؤال أساسي: ماذا يمكن أن تخبرنا مائدة الديكتاتور عن شخصيته ونظامه السياسي؟ الطباخ الذي يجهّز الطعام لرأس النظام يطّلع، بحكم موقعه، على تفاصيل لا يعرفها حتى كبار المسؤولين؛ فهو يشاهد مزاج الحاكم وهو جائع، غاضب، خائف، أو منتشٍ بنصر عسكري.

من خلال مقابلات مطوّلة مع طهاة خمسة من أشهر الطغاة في القرن العشرين، يرسم شابلوفسكي بانوراما حميمة عن يومياتهم: ما الذي كان يطلبه صدام حسين بعد إصدار أوامر بالقصف أو الإعدام؟ ماذا كان يأكل بول بوت بينما يموت ملايين الكمبوديين جوعًا؟ وكيف تعامل طباخ فيديل كاسترو مع هوس الزعيم الكوبي بالأمن والخوف الدائم من السمّ؟


الطاهي كشاهد على السلطة والخوف

لا يقدّم الكتاب الطهاة كأبطال ولا كضحايا أبرياء تمامًا، بل كشهود عالقين في منطقة رمادية أخلاقيًّا. فهم من جهة موظفون لدى نظام دموي، ومن جهة أخرى أشخاص يحاولون البقاء على قيد الحياة وعدم إثارة غضب رجل يمكن أن يأمر بإعدامهم لأبسط خطأ في الطبق أو في السلوك.

يعيش هؤلاء الطهاة في معادلة مستحيلة: عليهم أن يُرضوا ذوق رجل لا يُحاسَب، وأن يبتكروا أطباقًا فاخرة في سياقات تعيش فيها شعوبهم الحصار أو المجاعة أو الحرب. في الكثير من القصص، يشعر القارئ بأن المطبخ نفسه يتحوّل إلى مسرح للرعب: أطباق تُرمى لأن لونها «مريب»، وجبات تُختبَر على آخرين خوفًا من السمّ، ومراقبة أمنية لصيقة لكل من يقترب من أدوات الطبخ.


بين حميمية البيت وبربرية النظام

يسمح هذا المدخل الغذائي للقارئ بأن يرى التناقض العنيف بين صورة الديكتاتور كربّ أسرة في المنزل وبين صورته كقائد قاتل في الفضاء العام. فالرجل الذي يأمر بسحق مدينة كاملة قد يظهر في المطبخ أبًا يمازح أحفاده، أو زبونًا شديد التدقيق في نوعية اللحم وطريقة تقديمه.

هذا التعايش بين البشري واللّابشري هو ما يمنح الكتاب قوّته السردية: فنحن لا نرى وحشًا أسطوريًّا بل إنسانًا يملك شهيّة عادية، لكنه يستخدم سلطته بلا حدود. وهنا يطرح العمل سؤالًا مزعجًا: كيف أمكن لهؤلاء الطهاة أن يواصلوا العمل وهم يعلمون حجم الجرائم التي تُرتكب باسم الدولة التي يخدمونها؟ البعض يجيب بأنه لم يكن يملك خيارًا، والبعض الآخر يعترف بأنه حاول الاستفادة من قربه من السلطة، ماديًّا أو اجتماعيًّا.



تاريخ من وراء باب المطبخ

يقدّم الكتاب، بهذا المعنى، نوعًا من «التاريخ من وراء باب المطبخ». القرارات المصيرية: إعلان الحرب، توقيع اتفاقيات، أو إصدار أوامر بالقمع، تمرّ كلّها عبر لحظات تبدو للوهلة الأولى عابرة: وجبة فطور متوتّرة، غداء رسمي طويل، أو عشاء متأخر بعد خطاب حاشد.

من خلال هذه اللحظات، نكتشف تفاصيل لا تظهر في الأرشيف الرسمي: نوبات غضب مفاجئة بسبب طبق فاسد، تعليقات عنصرية يطلقها الحاكم على مائدة الطعام، أو لحظات ضعف نادرة حين يرفض الأكل أو يطلب طبقًا تقليديًّا من طفولته. هذه الذرات الصغيرة تكمّل الصورة التي ترسمها التقارير السياسية، وتذكّر بأن السلطة المطلقة تُمارس أيضًا عبر التفاصيل اليومية، لا عبر القرارات الكبرى فقط.


«ديكتاتورية» الذوق وشهوة السيطرة

أحد الخيوط المتكرّرة في الشهادات هو العلاقة بين شهوة الأكل وشهوة السيطرة. كثير من هؤلاء الطغاة يستخدمون الطعام أداة لإظهار الهيمنة: مآدب فخمة تُنظَّم لإذلال الخصوم أو شراء ولاء الحلفاء، أو أوامر بإهدار كميات ضخمة من الطعام في بلد يعاني الفقر.

في المقابل، تظهر أحيانًا مفارقات لافتة: زعيم يفرض على نفسه نظامًا غذائيًّا صارمًا بدافع الهوس بالصحة أو الخلود السياسي، أو آخر يفضّل أطباقًا بسيطة جدًّا رغم امتلاك كل أسباب الترف. في الحالتين، تكشف علاقة الحاكم بطعامه عن تصوّره لجسده وحدود قوّته، وعن المسافة أو القطيعة بينه وبين جسد المجتمع الذي يحكمه.


قيمة الكتاب لقراءة حاضرنا السياسي

بعيدًا عن عنصر الحكاية والتشويق، يقدّم الكتاب أداة تحليلية مهمّة لقراءة الأنظمة السلطوية المعاصرة. فهو يذكّرنا بأن السلطة لا تُختزل في الدساتير والأجهزة الأمنية، بل تمتد إلى ما هو حميمي: ماذا نأكل؟ مع من نجلس إلى المائدة؟ ومن يملك الحق في الشبع بينما يُدفَع آخرون إلى الجوع؟

بالنسبة للباحثين والصحفيين، يفتح هذا النوع من الأعمال بابًا لاستثمار «الثقافة الغذائية» كمفتاح لفهم التحوّلات السياسية والاجتماعية: من دبلوماسية الموائد في القصور الرئاسية، إلى استخدام الحصار الغذائي كسلاح، وصولًا إلى رمزية الأطباق الشعبية في لحظات الاحتجاج والثورة. في عالم عربي شهد وما زال يشهد صعود أنظمة قمعية وحروبًا أهلية، يبدو هذا المدخل ضروريًّا لفهم كيف يتجسّد الاستبداد في تفاصيل الحياة اليومية.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97075068/a...


: في نفس القسم