في دراسة نشرها موقع الثوابت الدينية المغربية الإفريقية، يعرّف الأستاذ عبد الوهاب الفيلالي، أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بشخصية صوفية أدبية مغمورة هي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي السجلماسي. ويرى أن الفقه والتصوف والأدب شكّلت أهم عناصر الثقافة المغربية التقليدية، وأن المغاربة تعاملوا معها رمزًا للهوية قبيل الحماية وأثناءها، وأن الاقتراب منها يمرّ عبر التعريف بأعلامها وإنتاجاتهم.
من هو عبد الرحمن السجلماسي؟يقر الباحث بأنه لم يعثر على ترجمة لهذا العَلَم في كتب التراجم والطبقات التي اطلع عليها، وأن معلوماته عنه مستخلصة أساسًا من مؤلفاته ومما كتبه عنه محمد عبد الحي الكتاني. وبحسب هذه المصادر، هو شريف علوي من أبناء سجلماسة استقر بفاس، وكان فقيهًا واعظًا ذا صوت شجي في الإنشاد، توفي سنة 1333هـ/1914م، وكان يؤم بجامع الحجاج في «زقاق الحجر». وعُرف بالتزامه الطريقة الدرقاوية وبولعه بمحبة الرسول ﷺ وكثرة الصلاة عليه.
شيوخه وصلاتهلا يعرف الباحث من شيوخه في العلم إلا إدريس بن عبد الهادي السجلماسي الفاسي، الذي ذكره في مقدمة أحد كتبه. أما الطريقة الدرقاوية فيبدو أنه أخذها عن أحد المريدين المباشرين للشيخ مولاي العربي الدرقاوي (ت 1239هـ/1823م)، دون أن يتوصل الباحث إلى اسمه. وكان، بحسب ما يستفاد من كتبه، على صلة بشيوخ التصوف بفاس من الدرقاويين والكتانيين.
مؤلفاتهيحصي الباحث له سبعة مؤلفات مخطوطة بالخزانة الوطنية بالرباط، كلها في الصلاة والسلام على النبي ﷺ، تجمع بين المنثور والمنظوم: «تحفة العبد المريب في مدح الحبيب»، و«لآلئ اليواقيت الحسان»، و«نور الإتميد»، و«قرة الأبصار»، و«كشف الكروب»، و«نفحة الغيوب»، و«غنيمة العبد الضعيف المحتاج». ويذكر أن نسبة «لآلئ اليواقيت الحسان» إليه استنتاجها الباحث من وحدة الخط وأسلوب التعبير والترتيب وتشابه البدايات، لأن اسم المؤلف لم يرد فيها. ويقسّم الباحث هذه الكتب إلى مجموعتين: أولاهما بلا ترتيب معين، وثانيتهما رتّبت الصلوات على حروف المعجم، مع قصيدة في المحبة المحمدية عند نهاية كل حرف.
نثره: صلوات من «زاوية القلب»تحفل مؤلفاته بمئات الصلوات النثرية على الرسول ﷺ، يفتتحها دائمًا بصيغة الصلاة والسلام ثم يذكر غرضه منها: طلب الفرج والتخلص من الذنوب وانشغالات الدنيا، أو الاستغراق في محبة النبي ﷺ وطلب وصاله، أو التقرب إلى الله. ويبدو النزوع الصوفي واضحًا فيها، من خلال الحديث عن تطهير القلب من الأغيار وطلب الأسرار اللدنية والارتقاء من مقام التلوين إلى مقام التمكين.
نظمه: رحلة في آفاق المحبةإلى جانب النثر، تضم كتبه عشرات القصائد المعربة والزجلية في محبة الرسول ﷺ ومدحه والشوق إليه وشكوى فراقه، إضافة إلى قصائد تتخذ الصلاة عليه موضوعًا أساسيًا. ويرى الباحث أن هذه الأشعار تصوّر رحلة تبدأ بشدة التعلق والشوق، ثم التوسل وطلب الوصال، ثم تحقق الوصال ونشوة اللقاء، وتنتهي بشكر الله على نعمة المحبة المحمدية. ويلاحظ أن مستواه الفني يتراوح بين القوة والضعف، فبعض النصوص لا يرتقي إلى الشعر ويكتفي بالنظم خاصة عند سرد الصلوات، بينما يبلغ بعضها مقام الإبداع الجيد حين يعبر عن تجربة الحب والشوق.
خلاصةيخلص الفيلالي إلى أن السجلماسي واحد من أعلام التصوف المغاربة الذين وهبوا قلوبهم وألسنتهم وأقلامهم لذكر الرسول ﷺ ومدحه، وأن هذه ظاهرة طبعت الأدب المغربي منذ عهوده الأولى. ويرى أن إنتاجه يستحق التحقيق والدراسة، وأن وجود أعلام آخرين لا يُعرف عنهم إلا أسماؤهم أو بعض أخبارهم يدعو إلى الحفر في ذاكرة التراث الفكري والأدبي للتمييز بين الجيد والرديء والإبداعي وغيره.
للمزيد حول الأدب الصوفي:
دراسة تقارن تمثلات التصوف في الرواية المعاصرة (أقطاب) كتاب «تصوير التصوف» حول التمثلات البصرية في الأدب الصوفي (سُبحة)المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98302635/...