تطوّر الدماغ البشري ليتعلّم من خلال مربّين محدّدين. فعندما يسمع الرضيع صوتاً حنوناً أو أغنية مهد مطمئنة، أو حين يُستجاب لبكائه، ينشط دماغه. هذه التفاعلات الحانية، أو ما يسمّيه المتخصصون في نمو الطفل "التبادلات المتبادلة"، تسهم في تشكيل وتعزيز مليون وصلة عصبية جديدة تتكوّن كل ثانية في دماغ الطفل. فكلما بكى طفل أو طلب انتباهاً وتلقّى استجابة من محيطه، ساهم هذا الحوار في تطوير الدارات العصبية الضرورية لتواصله وتعلّمه وتوازنه العاطفي. ولا يوجد أي محفّز آخر، ولو كان "كانون" يوهان باخلبل بأداء الأوركسترا الفيلهارمونية لبرلين، قادر على تنشيط هذه الدارات العصبية كما يفعل التفاعل الإنساني.
حتى الآن. فوفق مقال نشرته مجلة ذي أتلانتيك الأمريكية، قد يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي أول تقنية في التاريخ تبلغ من التطور ما يكفي لمحاكاة التفاعلات الاجتماعية التي تشكّل أدمغتنا. وأظهرت أبحاث أن رضّعاً في الشهر السادس من العمر يستجيبون فسيولوجياً للتفاعل مع روبوتات شبيهة بالبشر بطريقة مشابهة لاستجابتهم للبشر أنفسهم. كما كشفت دراسة تجريبية حديثة محدودة النطاق أن أطفالاً صغاراً، بعد تفاعلهم مع روبوت محادثة للمرة الأولى غالباً، أكدوا أن الذكاء الاصطناعي يستطيع إدراك العالم بحواس شبه بشرية وفهم الأمور والتعلّم مثل البشر تماماً.
وهذه التقنية حاضرة بالفعل في حياة الأطفال. فالدمية الناطقة التي يُفترض أنها الصديق المفضل للطفل مدعومة بالذكاء الاصطناعي بطبيعة الحال، لكن كثيراً من الآباء قد يجهلون أن مساعد أمازون الصوتي "أليكسا" حصل مؤخراً على تحديث برمجي حوّله إلى روبوت محادثة حقيقي يعتمد التقنية الأساسية نفسها التي يقوم عليها ChatGPT. وهكذا فإن الأطفال الصغار الذين يطلبون معلومات عن الحيوانات أو نكتة أو قصة قبل النوم قد يعتادون سريعاً على التفاعل الاجتماعي مع نموذج لغوي معقّد.
وتقول كاتبة المقال، دانا سسكيند، الجراحة في طب الأطفال والباحثة والمتخصصة في التكنولوجيا التي كرّست عقوداً لدراسة نمو دماغ الطفل، إنها قلقة من انتشار واستخدام هذه التقنيات من قبل الأطفال، في المنزل كما في المدرسة، قبل أن تتوفر رؤية كاملة لمدى سلامتها وتأثيراتها على الدماغ الفتي. وتذكّر بما نعرفه عن النمو الإنساني: الرابط الإنساني، بكل ما فيه من نقائص، أساسي لنمو الدماغ، ولا يمكن خلقه اصطناعياً أو تعويضه لاحقاً.
وأمام تحوّل بحجم ثورة الذكاء الاصطناعي، يميل كثيرون إلى مقارنته بوسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها تجربة تقنية واسعة النطاق أنتجت بدورها مشكلات غير متوقعة لا نزال نحاول فهمها بالكامل. غير أن هذه المقارنة تبقى قاصرة، لأن الذكاء الاصطناعي التفاعلي، وقدرته على محاكاة التبادلات المتبادلة التي تبني الدماغ في طور النمو، مختلف جذرياً عن كل التقنيات الاستهلاكية التي سبقته. والمقارنة الأدق، بحسب الكاتبة، هي مقارنته بالغذاء، وتحديداً بالأغذية المصنّعة.
ففي أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تحوّل إنتاج الغذاء إلى صناعة، بفضل ابتكارات مفيدة فعلاً مثل التعليب والتبريد والحفظ والتوزيع الواسع، ما أسهم في حل مشكلات حقيقية وملحّة: إطعام المدن المتوسعة، وتقليل وفيات فصول الشتاء القاسية، وإطالة متوسط العمر، ونمو الأطفال وبقائهم على قيد الحياة لفترة أطول.
لكن في تلك الفترة، كانت شركات الأغذية تجري تجاربها الخاصة غير المضبوطة. إذ غمرت المواد الحافظة والإضافات الغذائية النظام الغذائي، واعتمدت الشركات حلولاً زعمت أنها آمنة: المورفين في أدوية السعال، والطباشير في الحليب، والفورمالديهايد في اللحوم. وقد أدرك الكيميائي الحكومي هارفي واشنطن وايلي أن هذه الابتكارات غير المثبتة تشكّل خطراً على الصحة العامة، فجنّد مجموعة من الشبان لتناول وجبات تحتوي هذه المواد الحافظة نفسها بينما راقب العلماء آثارها. وقد أسهمت معاناة هذه المجموعة، التي عُرفت باسم "كتيبة السموم"، في إقرار قانون نقاء الأغذية والأدوية لعام 1906.
وترى الكاتبة أننا نعيش اليوم مرحلة شبيهة بمرحلة وايلي. فابتكارات الذكاء الاصطناعي تجلب فوائد ملموسة للأسر، من أدوات تشخيص تكشف تأخر النمو مبكراً أكثر من الفاحصين البشر، إلى أدوات ترجمة فورية تتيح للآباء المهاجرين غير الناطقين بالإنجليزية التواصل مع معلّمي أبنائهم، إلى تطبيقات إنتاجية تخفف الأعباء الإدارية عن كثير من الآباء والمربين. لكن هذه الابتكارات أفرزت أيضاً مخاطر واضحة: دببة محشوة تصف ممارسات جنسية منحرفة أو تعلّم الأطفال الصغار إشعال أعواد الثقاب، ومقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي تعرض حروفاً وكلمات مختلقة.
ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي، كما يظهر النظام الغذائي، يكمن فيما يحدث عندما تعمل هذه الأنظمة تماماً كما هو مخطط لها. فمنتصف القرن العشرين، اكتشفت شركات الأغذية نشاطاً أكثر ربحاً من إطعام الناس، وهو التلاعب برغبتهم في الأكل. فاستعانت بعلماء كيميائيين ومهندسي نكهات وباحثين سلوكيين لإيجاد الصيغ الدقيقة القادرة على تجاوز إشارة الشبع الطبيعية، فاكتشفت ما يسمى "نقطة النشوة"، أي التركيبة الدقيقة من السكر والدهون والملح التي تعظّم المتعة، وصمّمت أغذية لتحقيق هذا الهدف، فبدأت بذلك إنتاج ما يُعرف اليوم بالأغذية فائقة التصنيع.
وتشبه هذه الأغذية الجديدة سابقاتها الطبيعية في الشكل، وتُعرض في الأرفف نفسها، لكن شيئاً جوهرياً تغيّر. فرغم الغموض والجدل المحيطين بتعريف الأغذية فائقة التصنيع، وهي طريقة مهذّبة لوصف "الوجبات السريعة الرديئة"، فإن كثيراً منها مليء بالمواد المضافة ومصمّم ليكون سهل الاستهلاك والهضم بكميات كبيرة، وقد يستخدم تركيبات فائقة الإغراء صُممت لتحفيز دارات المكافأة في الدماغ. وأمام هذا، كيف يمكن للأغذية الطبيعية أن تنافس؟
باختصار: لم يكن ذلك ممكناً، فتراجعت الأغذية الكاملة تدريجياً من نظامنا الغذائي. واليوم يحصل الأميركي العادي على 55 في المئة من سعراته الحرارية اليومية من الأغذية فائقة التصنيع، وهي منتجات لم تكن موجودة أصلاً قبل قرن من الزمن، بينما ترتفع هذه النسبة إلى نحو 62 في المئة لدى الأطفال بين سن 1 و18 عاماً. وتراجعت حصة السعرات الحرارية التي يستهلكها البالغون من الأغذية الكاملة من 32.7 في المئة إلى 27.4 في المئة بين عامي 2001 و2018، وفق المسح الوطني للصحة والتغذية التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية. ووفق تحليل صادر عن هذه المراكز عام 2021، لم يكن نحو ثلث الأطفال الأميركيين بين سن 1 و5 سنوات يتناولون الفاكهة يومياً، ونحو نصفهم لا يتناولون الخضراوات يومياً، فيما كان أكثر من نصفهم يشربون مشروبات محلاة أسبوعياً.
لقد طوّرت شركات الأغذية ابتكارات لافتة لحل مشكلات حقيقية، لكنها سعت أيضاً، استناداً إلى هذه الابتكارات، إلى زيادة أرباحها. ويرى المقال أن المنطق السوقي نفسه ينطبق اليوم على تفاعلنا مع التكنولوجيا: فقدرات الذكاء الاصطناعي الذاتية لافتة فعلاً، لكن يمكن أيضاً تحسينها لتعزيز التفاعل والانخراط.
وللوهلة الأولى، يبدو الطفل الذي يتحدث مع ذكاء اصطناعي وكأنه طفل يشارك في محادثة عادية، غير أن التفاعلات الأساسية والدقيقة تُمحى في هذه العملية. فالنقائص والتردد والحاجة إلى الاعتذار أو إعادة الصياغة قد تبدو عيوباً في التواصل الإنساني، لكنها في الواقع خطوات جوهرية في النمو. فدورة الانكسار والإصلاح التي تعقب سوء الفهم، والمتكررة آلاف المرات خلال الطفولة، هي أساس المرونة والقدرة على التكيّف وضبط المشاعر. وهكذا يطوّر الأطفال أهم المهارات العلائقية: الثقة بقدرة العلاقات على تجاوز الخلافات، والقدرة على الحفاظ على الرابط مع الآخرين رغم عدم الارتياح.
وحذف هذا الاحتكاك من الطفولة يعني حرمان النظام الاجتماعي العاطفي من العناصر الضرورية لنموه السليم. فالبنية العصبية التي يُفترض أن تتشكّل عبر تفاعلات إنسانية ناقصة ومحبطة أحياناً قد لا تكتمل أبداً، وينسحب الأمر نفسه على تحمّل الإحباط والتعاطف والمرونة. كما قد تتأثر القدرات المعرفية، إذ يعرف المتخصصون في النمو منذ زمن طويل أن الأطفال يتعلمون وينمون عبر مواجهة مهام أعلى قليلاً من قدراتهم الحالية، وهو ما يُعرف بـ"منطقة النمو القريبة"، وقد تحرم أنظمة الذكاء الاصطناعي المصمَّمة للتكيّف بدقة مع مستوى كل طفل هذا الطفل من فرصة بلوغ هذه المنطقة يوماً ما.
ولأن رفقاء الذكاء الاصطناعي مصمَّمون لإزالة كل نقص، من سوء فهم أو تأخر أو إصلاح، فإن النظام الاجتماعي العاطفي للطفل لا يحتاج أبداً إلى العمل. فكما أفقرت الأغذية فائقة التصنيع نظامنا الغذائي من الألياف، قد يزيل ذكاء اصطناعي محسَّن للتفاعل احتكاك الطفولة. والعقل النامي، تماماً كالجهاز الهضمي، يحتاج إلى مقاومة لينمو، فالاحتكاك ليس عائقاً أمام النمو، بل جزء لا يتجزأ منه.
ولن يكون أثر هذه التقنية الجديدة واحداً لدى الجميع. فالأشخاص الذين يعانون انعدام أمن غذائي شديد يستهلكون نحو 3 في المئة أغذية فائقة التصنيع أكثر من أولئك الذين يتمتعون بأمن غذائي مرتفع، خصوصاً أن تكلفة السعرة الحرارية الواحدة من الأغذية غير المصنّعة تفوق 2.5 مرة تكلفتها من الأغذية فائقة التصنيع. غير أن الأسر الميسورة بدأت الابتعاد عن الأغذية فائقة التصنيع بمجرد أن باتت مخاطرها المحتملة واضحة، فأصبحت المكوّنات "الطبيعية" والأغذية قليلة التصنيع والمنتجات العضوية متاحة وميسورة التكلفة لأصحاب الموارد، وتحوّلت التغذية "العضوية" إلى رمز للنجاح الاجتماعي.
وتتشكّل ظاهرة مشابهة اليوم مع الذكاء الاصطناعي؛ إذ يفضّل كثير من المهندسين والمسؤولين الذين يصمّمون هذه المنتجات أنشطة بلا شاشات في منازلهم، ويعتمدون أكثر على اللعب الحر. وقد صرّح جاك كلارك، أحد مؤسسي شركة Anthropic، في حوار مع عزرا كلاين مطلع هذا العام، بأن فكرة حصول ابنته الصغيرة على وصول "غير مقيّد" إلى خوارزمية يوتيوب "تخيفه"، مضيفاً: "أشارك الرأي الكلاسيكي لقادة قطاع التكنولوجيا في كاليفورنيا: لا ينبغي أن يتعرض الأطفال لهذا القدر من التكنولوجيا."
وإذا صحّت المقارنة بالغذاء، فسيصبح الذكاء الاصطناعي المحسَّن لتعزيز التفاعل بديل الخدمة الرخيصة الجديد، يستهدف بشكل رئيسي الأطفال الأكثر حرماناً. وقد أظهر مركز بيو للأبحاث عبر استطلاعاته أن المراهقين من أسر منخفضة الدخل هم أكثر ميلاً إلى استخدام روبوتات المحادثة في أداء واجباتهم المدرسية مقارنة بأقرانهم من أسر أكثر ثراءً.
وتختم الكاتبة بالقول إنه لا توجد بعد دراسة واسعة النطاق حول الأطفال الذين يشبّون في سياق تفاعلات "فائقة التصنيع"، ولن تُجرى مثل هذه الأبحاث قبل عقود. لكن ما يقلقها أكثر هو احتمال أن نترك الرابط الإنساني يتحول إلى العنصر "العضوي" الجديد، يحظى به الأثرياء ويحافظون عليه، بينما يبقى بعيد المنال عن الجميع سواهم. والمقال مقتبس من كتاب دانا سسكيند الجديد "Human Raised: Nurturing Connection, Curiosity & Lifelong Learning in the Age of AI".
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97698171/ai-ultra-p...