«ضربات جوية أمريكية‑نيجيرية في شمال‑غرب نيجيريا: بين مكافحة الإرهاب وحساسية الخطاب الطائفي»


Rédigé le الجمعة 26 دجنبر 2025 à 18:27 | Lu 0 commentaire(s)



أكدت وزارة الخارجية النيجيرية، في بيان رسمي صدر من أبوجا، استمرار نيجيريا في التعاون الأمني المنظم وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة في مواجهة خطر الإرهاب والتطرف العنيف، مشيرة إلى أن هذا التعاون أسفر عن ضربات جوية “دقيقة” استهدفت أهدافاً “إرهابية” في شمال‑غرب البلاد خلال عطلة عيد الميلاد، دون الخوض في عدد القتلى أو حجم الخسائر الميدانية. وجاء في البيان، المتداول على المنصات الرقمية، أن أبوجا تتمسك بالقانون الدولي وبمبدأ احترام السيادة، وأن عمليات مكافحة الإرهاب تركز على حماية المدنيين ووحدة البلاد وكرامة جميع المواطنين مهما كانت دياناتهم أو أعراقهم، مع التشديد على أن أي عنف يستهدف المسيحيين أو المسلمين أو غيرهم يعد إهانة لقيم نيجيريا وتهديداً للسلم والأمن الإقليمي والدولي. وأوضحت الخارجية أن الحكومة ستواصل العمل عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية لتعزيز قدرات مؤسساتها العسكرية والاستخباراتية، والتصدي لشبكات الإرهاب وحرمانها من التمويل والقدرة على الحركة، مع إبقاء الرأي العام على اطلاع من خلال القنوات الرسمية المعتمدة.



في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور مطوّل على منصته “تروث سوشال” أن الضربات الجوية نُفذت “بأمر مباشر” منه بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة، ووصفها بأنها “ضربة قوية وقاتلة” ضد “حثالة داعش الإرهابية في شمال‑غرب نيجيريا” متهماً هذه الجماعات بأنها تستهدف “خصوصاً المسيحيين الأبرياء” وبأن معدلات قتلهم بلغت مستويات “لم تُشاهَد منذ سنوات طويلة، بل منذ قرون”. وكرر ترامب في بيانه لهجته التحذيرية السابقة للجماعات المتشددة، قائلاً إنه سبق أن أنذرهم بأن استمرار “ذبح المسيحيين” لن يمر من دون رد، مؤكداً أن وزارة الدفاع نفذت “ضربات مثالية عديدة” وأن الولايات المتحدة “لن تسمح بانتعاش الإرهاب الإسلامي المتشدد” على حد تعبيره. هذه اللغة المشحونة، التي تضع العملية في إطار “حرب دفاع عن المسيحيين”، أثارت نقاشاً واسعاً بين محللين يخشون من تغذية الانقسامات الدينية في بلد متعدد الأديان مثل نيجيريا، في حين تصر أبوجا على تقديم الصراع في شمال‑غرب البلاد باعتباره مواجهة مع مجموعات مسلحة تستهدف المسلمين والمسيحيين على السواء لأسباب معقدة تتداخل فيها الجريمة المنظمة والإرهاب والصراعات على الموارد.



وسائل الإعلام الدولية نقلت أن الضربات نُفذت في إحدى مناطق ولاية سوكوتو أو محيطها، استناداً إلى بيان للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) التي تحدثت عن مقتل عدد من مقاتلي تنظيم “داعش” في نيجيريا، مؤكدة أن العملية جرت بناء على طلب السلطات النيجيرية ووفق تنسيق عملياتي مشترك، في وقت لم تُعلن فيه بعد حصيلة رسمية للضحايا من جهة مستقلة. مصادر محلية تحدثت عن سماع دوي انفجارات قوية في قرية جابو ليلة عيد الميلاد، بينما أشارت تقارير صحفية إلى أن وكالات الأنباء، مثل رويترز، لم تتمكن حتى الآن من التحقق من وجود ضحايا مدنيين أو طبيعة الأهداف التي طالها القصف بشكل دقيق، ما يفتح الباب أمام أسئلة عن شفافية المعلومات العسكرية في سياق حرب جوية سبق أن خلفت، في السنوات الماضية، ضحايا مدنيين خلال عمليات للجيش النيجيري ضد جماعات مسلحة في شمال‑غرب البلاد. ويرى محللون أن استعانة نيجيريا المباشرة بسلاح الجو الأمريكي هذه المرة، وإخراج ذلك إلى العلن عبر بيان مشترك وخطاب احتفائي من واشنطن، قد يهدف أيضاً إلى تجنب سيناريو توجيه ضربات أمريكية أحادية من دون تنسيق، خاصة بعدما لوّح ترامب في الأسابيع الماضية بإمكانية التدخل العسكري لحماية المسيحيين في حال اعتبر أن أبوجا عاجزة عن وقف الهجمات.

البيان النيجيري شدد على أن التعاون الأمني مع واشنطن يدخل في إطار “ممارسة دولية متعارف عليها” تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الاستراتيجي وأنواعا أخرى من الدعم، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، رغبة أبوجا في الحفاظ على صورة دولة ذات سيادة لا تسمح بعمليات أجنبية منفلتة على أراضيها، خاصة في ظل ذاكرة مجتمعية ما زالت حساسة تجاه أي حضور عسكري غربي مباشر في إفريقيا. ومع أن الحكومة الأمريكية تركز في خطابها على البعد الديني للصراع، إلا أن المسؤولين النيجيريين يحرصون على تفادي تأطير المواجهة مع الجماعات المسلحة في ثوب “حرب دينية”، مؤكدين أن الهجمات تستهدف قرى مسلمة ومسيحية على حد سواء، وأن مقاربة مكافحة الإرهاب يجب أن تراعي التعقيدات المحلية المرتبطة بانتشار “قطاع الطرق” والنزاعات على الأراضي والرعي وغياب التنمية في مناطق الهشاشة الأمنية. هذه الفجوة في الخطاب بين الحليفين تُقلق بعض المنظمات الحقوقية التي تخشى من أن يؤدي التركيز الأمريكي على “اضطهاد المسيحيين” إلى تبسيط مفرط للمشهد، ما قد يزيد من استقطاب الرأي العام ويمنح الجماعات المتشددة روايات تعبئة جديدة، في حين يجادل آخرون بأن الضغط الأمريكي قد يجبر الحكومة النيجيرية على تحسين حماية الأقليات الدينية وتعزيز آليات المحاسبة على الانتهاكات.

على المستوى الإقليمي، تُراقب دول غرب إفريقيا هذه التطورات بقلق، إذ يأتي القصف الأمريكي‑النيجيري في لحظة تتغير فيها موازين القوى بالمنطقة مع صعود أنظمة عسكرية في دول الساحل وانسحاب قوات غربية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتزايد نفوذ الفاعلين الجدد مثل روسيا عبر شركات أمنية خاصة. ويرى بعض المراقبين أن توسيع التعاون الأمني بين واشنطن وأبوجا قد يحوّل نيجيريا إلى شريك رئيسي للولايات المتحدة في مكافحة “داعش” و”القاعدة” بأفريقيا جنوب الصحراء، لكنه يضع الحكومة أيضاً أمام تحدي إدارة الرأي العام الداخلي، خاصة إذا ما تكشفت لاحقاً حصيلة مرتفعة للضحايا المدنيين، أو اتُهم الجيش مجدداً بتنفيذ ضربات خاطئة كما حدث في حوادث سابقة بولايات زمفرا وكادونا وسوكوتو. وحتى تتضح الصورة الكاملة لحجم العملية ونتائجها الميدانية والإنسانية، يبقى المؤكد أن الضربات الأخيرة أعادت ملف أمن شمال‑غرب نيجيريا إلى صدارة الاهتمام الدولي، وفتحت نقاشاً حاداً حول حدود التدخل العسكري الخارجي، ودور الخطاب الديني في تبرير الحرب على الإرهاب، وثمن “الشراكة الأمنية” عندما تتحول سماء بلد إفريقي إلى مسرح لصواريخ تُطلَق من وراء المحيط الأطلسي.




المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93382755/drbat-goy...


Dans la même rubrique :