أثار مشهد عابر في إعلان وثائقي جديد من إنتاج الفاتيكان موجة واسعة من التعليقات، بعد أن ظهر البابا ليون الرابع عشر وهو يرتدي حذاء رياضيا أبيض من علامة «نايكي» تحت ثوبه الكهنوتي، في لقطة قصيرة من شريط «Leone a Roma» الذي أُعدّ بمناسبة الذكرى الأولى لبدء حبريته، ونُشر عبر منصة «Vatican News» الرسمية، قبل أن تتداوله مواقع إخبارية عالمية وتعيد نشر الصور المقتطعة منه بوصفها رمزا بصريا غير تقليدي لرأس الكنيسة الكاثوليكية.
هذا المقطع لا يتجاوز ثواني معدودة، إلا أنه أطلق موجة من التعليقات الساخرة والجادة على حد سواء، حيث انشغلت حسابات متخصصة في ثقافة الأحذية الرياضية بتحديد طراز الحذاء، مرجحة أنه من فئة «Nike Franchise Low» أو إحدى نسخها اللاحقة المعاد إطلاقها في أواخر العقد الأول من الألفية، وهو تصميم ظهر أول مرة في سبعينيات القرن الماضي بوصفه حذاء تنس منخفض التكلفة، قبل أن يعود في السوق كمنتج «ريترو» يستحضر جمالية تلك المرحلة. هذا التأويل التقني لطبيعة الحذاء منح الصورة زخما إضافيا، إذ رأى كثيرون في الجمع بين ثوب بابوي أبيض وحذاء رياضي «فنتيج» نوعا من التقاطع غير المتوقع بين الرمزية الدينية وثقافة الشارع المعاصرة، حتى أن بعض المنصات وصفت الظاهرة بعبارات مثل «Holy drip» في إحالة إلى قاموس ثقافة الأزياء الشبابية.
اللافت أن هذه اللقطة مصدرها سياق توثيقي جاد، فلا يتعلق الأمر بحملة تسويقية أو تعاون تجاري، بل بمشهد صُوّر – بحسب تقارير صحافية – خلال فترة عيش البابا الحالي في روما قبل انتخابه للحبرية، ثم أدرج لاحقا في الفيلم الذي يحاول رسم ملامح مساره ومساحات حياته اليومية في العاصمة الإيطالية، بما في ذلك التنقل في الفضاءات المفتوحة بملابس كهنوتية وحذاء مريح يناسب المشي لمسافات طويلة. هذا التداخل بين اليومي والرسمي داخل شريط ينتجه الفاتيكان نفسه ساهم في منح الصورة مصداقية مضاعفة، بعدما شكك بعض المتابعين في البداية في احتمال كونها مركّبة رقميا أو نتاجا لاستخدام أنظمة توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، قبل أن تؤكد تقارير صحافية إيطالية أن اللقطة أصلية ومأخوذة مباشرة من الإعلان الرسمي.
تاريخ البابوية في العقود الأخيرة يقدم أمثلة سابقة على حضور الأحذية في صناعة صورة الحبر الأعظم، وإن بدرجات متفاوتة. فخلال حبريته، ارتبطت شخصية بنديكت السادس عشر بالأحذية الجلدية الحمراء التي ظهرت في عدد من المناسبات العلنية منذ عام 2005، ما دفع وسائل إعلام إلى وصفه آنذاك بعبارات ذات صلة بعالم الموضة، قبل أن يتضح عبر تقارير متخصصة أن هذه الأحذية ليست من إنتاج دار «برادا» كما شاع في البداية، بل من صناعة إسكافيين إيطاليين، منهم أدريانو ستيفانيلي وأنطونيو أريّانو، ممن صنعوا أحذية مخصّصة للبابا بالحجم نفسه الذي اعتاد انتعاله قبل انتخابه. هذه التفاصيل التي نشرتها منصات كاثوليكية في السنوات الأخيرة أعادت صياغة قصة «الحذاء الأحمر» من إطارها الاستهلاكي إلى سياق الحِرفة التقليدية داخل إيطاليا، مع الإشارة إلى أن بنديكت، بعد تخليه عن السدة البابوية، استبدل بتلك الأحذية اللافتة أخرى جلدية داكنة صنعها حرفي مكسيكي، ما خفف من حضور العنصر اللوني في صورته العامة.
أما البابا فرنسيس، فقد ارتبط في الوعي العام من البداية بخيارات أكثر تواضعا على مستوى الملبس، بما في ذلك تمسكه بأحذية أرثوبيدية سوداء بسبب مشكلات مزمنة في الركبة، حسب ما أوردته تقارير صحافية كاثوليكية متخصصة في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، شكّلت هدية تلقاها قبل أعوام من كاهن أميركي مناسبة عابرة لظهوره في سياق مختلف، إذ قام فنان أحذية بتخصيص زوج من «Nike Blazer Mid ’77 Vintage» بألوان العلم الفاتيكاني، الأبيض والأصفر الذهبي، مع إضافة شعار البابا على الجانبين وكتابة اسمه على الكعب، وقد تناولت وسائل إعلام ترفيهية هذه الهدية بوصفها مثالا على محاولة التقاطع بين ثقافة «السنكيرز» العالمية والرموز الدينية، دون أن يعني ذلك أي تغيير جذري في الخيارات اليومية للبابا الذي بقي متمسكا بأحذيته السوداء في أغلب المناسبات الرسمية.
في حالة ليون الرابع عشر، تبدو الاستجابة الرقمية أسرع وأكثر كثافة، وهو ما يعكس مكانة الشبكات الاجتماعية اليوم في صياغة صورة البابا لدى جمهور عالمي شاب يتابع المستجدات عبر المقاطع القصيرة واللقطات المقتطعة من سياقها الأصلي. بعض التعليقات انشغلت بتخمين علاقة الحبر الأعظم بعالم الرياضة أو ترجمت اللقطة على أنها إشارة إلى اقتراب الكنيسة من لغة الأجيال الجديدة، في حين تعامل آخرون معها بوصفها مجرد تفصيل يومي يعكس تفضيل الحذاء المريح على الخيارات الرسمية الثقيلة، خصوصا خلال التصوير في فضاءات خارجية تستدعي الحركة. وبين القراء، ظهر من يعتبر أن تداول هذه الصورة بكثافة يعيد فتح نقاش أوسع حول الطريقة التي تُبنى بها «صورة القداسة» في العصر الرقمي، ومدى قدرة العناصر البسيطة، مثل حذاء أبيض بعلامة تجارية معروفة، على أن تصبح رمزاً محورياً في تغطية إعلامية تتناول وثائقياً يتوخى أساسا استعادة مسار روحي وفكري لرأس الكنيسة الكاثوليكية.
هذا الاهتمام بتفاصيل المظهر الخارجي لا ينفصل عن تطور العلاقة بين المؤسسة الدينية ووسائل الإعلام على مدار العقود الأخيرة. فمع توسع التغطيات التلفزيونية ثم الرقمية، باتت كل لقطة تخضع لتفكيك بصري تفصيلي، حيث يتم تحليل لون الثوب، وطبيعة السوار أو الساعة، وحتى نوع الحذاء، داخل أكثر من مستوى من القراءة، من التحليل اللاهوتي إلى التفسير الثقافي الشعبي. في هذا السياق، يوفر ظهور البابا في حذاء رياضي، سواء أكان من فئة «فرانشايز لو» أم غيرها، مادة ثرية لمتابعة كيفية تفاعل الرمز الديني الأعلى في الكاثوليكية مع ثقافة عالمية تتحرك بين منطق العلامات التجارية، وديناميات الميمات، ومنصات الفيديو القصير، حيث يمكن لتفصيل بسيط على مستوى اللباس أن يطفو إلى سطح النقاش العام، متقدما أحيانا على الموضوعات doctrinal التي يفترض أن تكون محور الاهتمام الأصلي للوثائقي.
ومع أن الفاتيكان لم يصدر حتى الآن تعليقا رسميا مفصلا حول هوية الحذاء أو دلالته، تكتفي التغطيات القريبة من دوائر الكنيسة بالإشارة إلى أن المشهد يعود إلى فترة سابقة على انتخاب البابا، وأن إدراجه ضمن الفيلم الوثائقي يرتبط بالرغبة في إظهار جانب عفوي من حياته اليومية في روما، لا بإطلاق رسالة معينة بشأن الموضة أو العلامات التجارية. ومع استمرار تداول الصورة ومناقشتها في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، يبدو أن «الحذاء الأبيض» سينضم، ولو مؤقتا، إلى سلسلة من العناصر الرمزية التي رافقت البابوات المعاصرين، من الحذاء الأحمر في عهد بنديكت السادس عشر إلى الأحذية السوداء الأرثوبيدية لفرنسيس، وصولا إلى «نايكي» التي رافقت ليون الرابع عشر في مشهد واحد، كفيل بأن يمنحه مكانا خاصا في أرشيف الصور التي تصنعها الكاميرا الرقمية لعلاقة البابوية بالقرن الحادي والعشرين.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96520686/-pope-leo-n...