تسجّل الضفة الغربية أرقاماً قياسية من التهجير الداخلي، إذ وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تهجير أو نزوح 37 ألف فلسطيني خلال عام 2025. في هذا المناخ المتوتر، تعيش قرية تايبه، آخر قرية مسيحية خالصة في الضفة الغربية، ضغطاً يومياً يهدد تماسك مجتمعها الصغير.
تقع تايبه بين القدس ونابلس على هضاب تطل على وادي الأردن، ويقطنها نحو 1200 شخص. هنا يخدم الكاهن بشار فوضله، وهو يصف انتماءه إلى هذه الأرض بوصف روحي ومسؤولية مدنية في آن. يقول إن السنين الطويلة من القيود تفاقمت بعد هجمات السابع من أكتوبر، وإن وتيرة المضايقات ارتفعت سريعاً بفعل مجموعات من المستوطنين المتطرفين.
على بعد كيلومترين فقط من القرية، أقام شبان متشددون بؤراً رعوية على التلال، وباتت غاراتهم على الأراضي مصدر استنزاف مستمر. يروي الأهالي أن القطعان ترعى في حقول الزيتون وتقتلع غراساً، وأن الحرائق طالت مساحات مزروعة وسيارات، بل اقتربت مراراً من أحد دور العبادة. تركت الهجمات كتابات تهديدية على الجدران، ورسخت شعوراً بأن الحياة اليومية يمكن أن تنقلب في لحظة.
تداعيات هذا الضغط تظهر في أرقام النزوح المحلي: أكثر من خمس عشرة عائلة غادرت تايبه بالفعل، أي ما يقارب 5% من السكان، فيما توجه عدد من الشبان إلى الولايات المتحدة وإسبانيا بحثاً عن الأمان وفرص حياة مستقرة. بالنسبة للكاهن، لا يمكن لوم من يختار الخروج، لكنه يناشدهم عدم بيع البيوت للحفاظ على حضور تاريخي يرى فيه درعاً اجتماعياً ومعنوياً للقرية.
في نظره، الصراع سياسي في جوهره، وبقاء المكوّن المسيحي جزء من توازن يمنع انزلاق المنطقة إلى استقطاب ديني مباشر. يقول بوضوح إن تفريغ البلاد من مسيحييها سيفتح الباب أمام مواجهة صِرف بين اليهود والمسلمين، وهو مسار يريد تجنّبه عبر التمسك بمبدأ العيش المشترك والدعوة إلى التهدئة.
نشأ الكاهن في سنوات الانتفاضة الأولى، وسلك الدعوة الكهنوتية خلال الثانية، لكنه يختزل هدفه اليوم بكلمة واحدة: سلام يمكن العيش في ظله. يعتبر السلام حقاً أساسياً لا امتيازاً، ويؤكد أن رسالته تتجسد في مقاومة زرع الكراهية والدفع نحو حياة مشتركة تُبنى على الاعتراف المتبادل والعدل.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/94063790/sot-kahn-...


