تشهد الصين انتشار خدمات رقمية جديدة تسمح للأفراد بإنشاء نسخ افتراضية لأقارب متوفين باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تقدمها شركات متخصصة من بينها شركة صينية تحمل اسم «Super Brain» التي طورت نماذج تجسد ملامح وصوت وسلوك أشخاص رحلوا استناداً إلى صورهم ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية التي يوفرها ذووهم. وتتيح هذه الخدمات لمستخدميها التفاعل مع هذه النماذج عبر محادثات نصية أو مكالمات بالفيديو، بهدف تعويض الفراغ العاطفي ومرافقة مراحل الحداد لدى بعض الأسر التي فقدت آباء أو أمهات أو أطفالاً.
تستند الفكرة إلى توظيف نماذج لغوية وصورية متقدمة قادرة على تحليل بيانات الشخص المتوفى ثم إعادة تركيب ملامحه وطريقة تعبيره في صورة «قرين» رقمي يمكن محاورته في الزمن الفعلي، مع اختلاف مستويات التعقيد بحسب كمية البيانات المتاحة وجودتها. وتوضح تقارير صحافية صينية أن خدمات «الاستنساخ الرقمي» باتت تعرض على منصات التجارة الإلكترونية بأسعار تبدأ من عشرات اليوان لتحريك صورة ثابتة، وتصل إلى آلاف اليوان عندما يتعلق الأمر بنموذج تفاعلي يمكنه إدارة حوار مطول. وفي حالة «Super Brain»، تشير تقديرات صحفية إلى أن الشركة أنجزت مئات بل آلاف النماذج لأشخاص متوفين خلال السنوات الأخيرة، مع مسار تطور من منتجات بسيطة إلى نسخ أكثر تفاعلاً وكلفة.
المعطيات المتاحة تفيد بأن الحديث المتداول عن خدمة ثابتة بسعر ثلاثة دولارات يمثل تبسيطاً لمشهد أكثر تنوعاً في مستويات الأسعار والمنتجات، إذ تشير تقارير تقنية إلى عروض تجريبية منخفضة الكلفة إلى جانب حزم مخصصة قد تصل قيمتها إلى عشرات الآلاف من اليوان للنموذج الواحد، تبعاً لدرجة التخصيص ونوعية الواجهة التفاعلية. وتكشف مقالات متخصصة أن بعض الشركات تقدم مقاطع قصيرة مفعّلة بالصوت مقابل مئات اليوان، بينما تمنح حزم أخرى إمكانية التفاعل المستمر مع «شخصية» افتراضية تسترجع أسلوب الحديث والعادات اللغوية للشخص الراحل في حدود ما تسمح به البيانات المتوفرة.
على مستوى السوق، تندرج هذه الخدمات ضمن ما يسمى في الصين بـ«سوق الرفقة العاطفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي»، وهو قطاع تقدّر دراسات محلية أنه سيتوسع من بضعة مئات ملايين الدولارات في منتصف العقد إلى ما يفوق ثمانية مليارات دولار في غضون سنوات قليلة، مع اعتبار أن خدمات الحداد الرقمي ليست سوى شريحة فرعية من هذا القطاع الواسع. وتشير تحليلات استثمارية إلى أن شركات ناشئة متخصصة في «التقنيات المساندة للحزن» حول العالم جذبت تمويلات رأسمال مخاطر بعشرات أو مئات ملايين الدولارات خلال الأعوام الأخيرة، ما يعكس انتقال هذه الخدمات من نطاق التجارب المحدودة إلى منتجات تجارية موجهة للجمهور الواسع.
هذا التوسع أثار نقاشاً واسعاً في الصين بشأن الحدود الأخلاقية والقانونية لمثل هذه الخدمات، خاصة في ما يتعلق بموافقة المتوفى المسبقة، وحقوق الصورة والصوت، وإمكانية تداخل هذه النماذج مع عملية الحداد الطبيعية لدى الأقارب. ودفعت هذه التساؤلات السلطات التنظيمية إلى التحرك، حيث نشرت الإدارة الصينية للفضاء السيبراني مشروع قواعد لتنظيم ما تسميه «الذكاء الاصطناعي التفاعلي المتشخصن»، وهو تصنيف يشمل روبوتات المحادثة المجسدة وخدمات الرفقة الرقمية ومن ضمنها منصات «الاستحضار» الافتراضي للراحلين. وتتناول هذه المسودة قضايا تتعلق بوضوح هوية الأنظمة التلقائية أمام المستخدمين، وحماية البيانات الحساسة، وحدود استخدام الصور والأصوات البشرية في سياقات تجارية.
تجارب الأفراد التي نقلتها وسائل الإعلام الصينية والدولية ترسم صورة مركبة لتأثير هذه الخدمات، إذ تروي بعض الأسر أن التفاعل مع نسخة افتراضية لقريب متوفى منحها نوعاً من السلوى والمساعدة في تجاوز مرحلة الفقد الأولى، بينما يحذر مختصون في علم النفس من احتمال إطالة مرحلة التعلق ومنح انطباع زائف بالاستمرارية الشخصية لما هو في الواقع نموذج إحصائي مبني على بيانات محدودة. ويشير خبراء في الذكاء الاصطناعي إلى أن هذه النماذج لا تعيد «الشخص» بقدر ما تولد سلوكاً لغوياً وصوتياً متقارباً مع أنماطه السابقة، وهو ما يطرح على الأسر تساؤلات عملية حول حدود الاعتماد عليها في التعامل مع الحزن وفهم طبيعتها التقنية بعيداً عن أي إسقاطات ميتافيزيقية.
أما على الصعيد الدولي، فيرى مراقبون أن السوق الصينية تحولت إلى مختبر مفتوح لتجريب أشكال مختلفة من «الحداد الرقمي» بفضل حجم المستخدمين وسرعة تبني الخدمات الجديدة، في وقت لا تزال فيه مبادرات مشابهة في الغرب محدودة وذات حضور إعلامي أكبر من وزنها التجاري الحقيقي. وتعتبر بعض التحليلات أن تجارب الشركات الصينية، بما فيها «Super Brain» وغيرها من المنصات المماثلة، توفر مؤشرات مبكرة على كيفية تشكل سوق عالمية محتملة لخدمات تستثمر في التقاء الذكاء الاصطناعي مع الحاجة إلى تخليد الذاكرة الشخصية، مع بقاء أطرها التنظيمية والأخلاقية في حالة تشكل مستمر.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96245865/%D8%B5%D9%...