في مقال تحليلي نشرته مجلة «جاكوبين» الأمريكية في 30 غشت 2026، وأعاد موقع «لي كريز» الفرنسي نشر ترجمته، يرى الصحفي والمؤرخ السويدي أوسكار براندت أن أزمة السبعينيات الاقتصادية، التي صنعتها الحرب وفوضى الدولار وارتفاع أسعار النفط، قُدّمت للرأي العام على أنها فشل لدولة الرعاية الاجتماعية ونتيجة لمطالب العمال المفرطة. ويحذّر الكاتب من أن هذه الرواية لا تزال، بعد نصف قرن، تحدّد ما تعتقد المجتمعات أنها قادرة على تحمّله، في وقت تعود فيه الحرب لترفع أسعار الخام من جديد.
من حرب فيتنام إلى إغلاق «نافذة الذهب»
يعود الكاتب إلى 15 أغسطس 1971، يوم أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولارات التي تحوزها البنوك المركزية الأجنبية إلى ذهب، منهياً بذلك نظام «بريتون وودز» الذي قام عليه الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. ويربط براندت هذا القرار بحرب فيتنام: فقد سعت واشنطن إلى تمويل الحرب وبرامج «المجتمع العظيم» الاجتماعية معاً دون تغطيتها كاملة بالضرائب، فتفاقمت العجوزات، فيما ارتفع عدد الجنود الأمريكيين في فيتنام من نحو 24 ألفاً سنة 1965 إلى أكثر من نصف مليون مع حلول 1968. ومع تزايد مطالبة البنوك الأجنبية بالذهب مقابل الدولار، تبيّن أن الولايات المتحدة أصدرت من عملتها أكثر مما تستطيع استرداده بالسعر الرسمي.
نفط تضاعف سعره أربع مرات… ومسؤوليات موزّعة
ثم اندلعت حرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل وتحالف عربي تقوده مصر وسوريا، فخفّض المنتجون العرب إنتاجهم وفرضوا حظراً على الدول الداعمة لإسرائيل، وقفز سعر الخام في غضون أشهر. ولأن النفط يحرّك الشاحنات والمصانع والزراعة والسفن، ويدخل في صناعة البلاستيك والكيماويات والأسمدة، ارتفعت أسعار كل شيء تقريباً. ويشدّد الكاتب على أن هذا التضخم كان في جوهره «صدمة تكاليف»، لا نتيجة لمعلمين يدرّسون عدداً قليلاً من التلاميذ أو متقاعدين يتقاضون معاشات سخية، مذكّراً بأن الأسعار الأمريكية تضاعفت تقريباً بين 1914 و1920 بفعل الحرب العالمية الأولى.
غير أن براندت يرى أن دور واشنطن كان أعقد مما يوحي به خطاب الضحية الذي تبنّته. فشاه إيران محمد رضا بهلوي، أحد أهم حلفائها في الخليج، كان يضغط لرفع الأسعار كي يموّل مشترياته الضخمة من السلاح الأمريكي، بينما كانت السعودية تحاول كبح الارتفاع. كما جنت شركات النفط أرباحاً قياسية، وتدفقت أموال النفط على مصارف نيويورك ولندن، ووجدت صناعة السلاح زبائن جدداً. ولا يزعم الكاتب أن الولايات المتحدة افتعلت الأزمة، فالحرب والحظر وصعود منظمة «أوبك» لعبت أدواراً حاسمة، لكنه يرى أن قادتها عزّزوا مسارها وقبلوا عواقبها واستثمروا الفرص التي أتاحتها.
ميلاد «البترودولار»
في عام 1974، أبرمت واشنطن اتفاقاً سرياً مع الرياض: تشتري الولايات المتحدة النفط السعودي وتقدّم للمملكة مساعدات ومعدات عسكرية، مقابل إعادة استثمار الفوائض السعودية بالدولار في سندات الخزانة الأمريكية. وسار منتجون آخرون على النهج ذاته، فتشكّلت منظومة «تدوير البترودولار». ولأن النفط يُسعَّر أساساً بالدولار، صار على كل بلد مستورد أن يحصل على العملة الأمريكية عبر التصدير أو الاحتياطيات أو الاقتراض، في حين تدفع الولايات المتحدة ثمن وارداتها وتقترض من الخارج بعملتها الخاصة، وهو امتياز لا تملكه سائر الدول.
«الركود التضخمي» ذريعةً
أشاعت الأزمة مصطلح «الركود التضخمي»: أسعار ترتفع ونمو يتباطأ وبطالة تتزايد. واستغل ميلتون فريدمان وأنصاره ذلك لإعلان انتصارهم على جون مينارد كينز. لكن الكاتب يرى أن ما سقط فعلاً هو قراءة مبسّطة لـ«منحنى فيليبس» الذي يربط التضخم بالبطالة، لا الكينزية برمّتها؛ فكينز لم يَعِد قط بأن الدولة تستطيع شراء كميات غير محدودة من النفط أو اليد العاملة دون أن ترتفع الأسعار، بل قال إنها قادرة على تعبئة الموارد المعطّلة عندما يتراجع الطلب الخاص. وأزمة النفط، في نظره، كانت صدمة في جانب «العرض» تستدعي ضبطاً مؤقتاً للأسعار واستثماراً وتوزيعاً عادلاً للأعباء، لا تقشفاً دائماً.
من انقلاب تشيلي إلى «صدمة فولكر»
ويربط المقال بين الأزمة وأدوات القوة الأمريكية الأخرى، مستشهداً بانقلاب 11 سبتمبر 1973 في تشيلي على الرئيس الاشتراكي المنتخب سالفادور أليندي، بعدما أمر نيكسون وكالة المخابرات المركزية بأن تجعل الاقتصاد التشيلي «يصرخ»، قبل أن يفتح الجنرال أوغستو بينوشيه البلاد أمام التجارب النيوليبرالية. ويذكّر أيضاً بأن «جمعية مون بيلران»، التي أسسها فريدريش هايك وفريدمان وآخرون سنة 1947، كانت قد هيّأت خطابها قبل الأزمة بعقود: الدولة هي المشكلة، والضرائب عائق، والنقابات ترفع الأسعار.
وفي عام 1979، تولّى بول فولكر رئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ورفع أسعار الفائدة إلى نحو 20 في المائة سعياً إلى كسر التضخم عبر خنق الطلب. وكانت النتيجة، وفق الكاتب، موجة إفلاسات وبطالة جماعية أضعفت قدرة العمال والنقابات على التفاوض. وامتدت الصدمة إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا، إذ كانت دول كثيرة قد اقترضت البترودولارات بفوائد متغيرة؛ فلما ارتفعت الفائدة وقوي الدولار، تضخّمت ديونها. وفي عام 1982 أعلنت المكسيك عجزها عن السداد، ففرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مقابل قروض جديدة، تقليص الميزانيات والخصخصة وخفض أجور القطاع العام وفتح الأسواق.
دروس خاطئة بأثر ممتد
يرى براندت أن هذه «الأسطورة» تتجدد كلما أعلنت حكومة أنها لم تعد تملك المال للصحة أو التعليم أو السكن أو المعاشات أو مواجهة التغير المناخي. فالبلد قد يفتقر إلى الممرضات أو الكهرباء أو المواد الأولية، وهذه حدود حقيقية، لكن الدولة التي تصدر عملتها، في نظره، لا تنفد أموالها كما تنفد ميزانية أسرة مدينة. ويرسم الكاتب أوجه شبه مع الحاضر: الجائحة أربكت سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا رفعت تكاليف الطاقة، ثم جاءت الحرب مع إيران واضطراب حركة الناقلات في مضيق هرمز لتشعل الأسعار مجدداً، فيما يُلقى اللوم مرة أخرى على الأجور والإنفاق العام.
قراءة تبقى رأياً
تجدر الإشارة إلى أن المقال يعبّر عن قراءة يسارية نقدية لكاتبه، نشرتها مجلة معروفة بتوجهها الاشتراكي. فالأطروحة القائلة إن الدولة ذات السيادة النقدية لا تواجه قيوداً مالية بالمعنى الذي تواجهه الأسر تقترب من مقاربات «النظرية النقدية الحديثة» التي يرفضها كثير من الاقتصاديين، كما أن الجدل حول الأسباب الحقيقية لتضخم السبعينيات، بين صدمات العرض والسياسات النقدية التوسعية ودوامة الأجور والأسعار، لا يزال قائماً في الأدبيات الاقتصادية. ويختم براندت بأن أكبر انتصار حققه اليمين لم يكن حلّ أزمة النفط، بل جعل العالم يتذكّرها على نحو خاطئ.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
فريديريك لوردون: نهاية النيوليبرالية أم نهاية الديمقراطية؟ ضغوط تصدير النفط وتداعياتها على إيران صواريخ إيرانية تستهدف دول الخليج النفطية: مخاوف من تصعيد إقليميالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98426596/c...