شيفرة إبداعية جديدة لاقتصاد الانتباه في اليابان


Rédigé le الجمعة 26 يونيو/جوان 2026 à 18:54 | Lu 0 commentaire(s)



يعرض المقال المنشور في موقع MediaPost تصوراً مختلفاً لطريقة التعامل مع وقت الشاشة، من خلال ما يصفه الكاتب بشيفرة إبداعية طورتها وكالة Dentsu في اليابان، وجرى تقديمها خلال فعاليات مهرجان Cannes Lions الأخير. يقوم هذا التصور على استثمار بعض الآليات التي عادة ما ترتبط بمفهوم «إدمان الإعلام»، لكن مع إعادة توجيهها نحو تجارب رقمية شديدة القصر ومحددة زمنياً، بحيث تمنح المستخدم لحظات مركزة ذات قيمة مرتفعة بدلاً من استهلاك متواصل وغير مضبوط للانتباه. خلف هذا التوجه تبرز مفارقة أساسية في صناعة إعلانية اعتادت قياس النجاح عبر مؤشرات من قبيل مجموع الدقائق المقضاة داخل المنصات، في حين تدعو هذه المقاربة إلى التعامل مع الانتباه بوصفه مورداً نادراً يحتاج إلى ترشيد وإدارة دقيقة أكثر مما يحتاج إلى استغلال أقصى.

 



يتخذ المثال الأول شكل تجربة رقمية مرتبطة بلعبة بطاقات Pokémon، حيث صممت Dentsu بالتعاون مع الشركاء المعنيين آلية داخل تطبيق اللعبة تتيح للمستخدمين فتح حزمة بطاقات مجانية خلال فترات زمنية محددة للغاية. يحصل اللاعب على هذه الفرصة لمدة دقيقة واحدة فقط في اليوم، تتكرر مرتين صباحاً ومساءً، بحيث تتحول هذه الدقيقة إلى موعد ثابت ينتظره المستخدم ويستعد له. خلال تلك اللحظة القصيرة، يجري فتح الحزمة واستلام البطاقة ثم إغلاق التطبيق، من دون تشجيع على الاستمرار في تصفح محتويات إضافية أو الانتقال إلى جلسة لعب طويلة. النتيجة هي علاقة مختلفة مع المنصة، تقوم على ترقب لحظات قصيرة عالية الكثافة بدلاً من الانغماس المفتوح، الأمر الذي يمنح الوقت القصير قيمة مضافة ويحد من قابلية الانجرار إلى استخدام مفرط غير مخطط له.

ما يميز هذا التصميم أنه يعاكس النمط الشائع في كثير من التطبيقات الاجتماعية والألعاب التي تبني ولاء المستخدم عبر آليات حضور يومي قابل للتمديد إلى فترات طويلة، مع نظام مكافآت مستمر يحفز البقاء أطول وقت ممكن. في النموذج الياباني، لا تُترك هناك مساحة للتوسع الزمني؛ فالمستخدم يعرف مسبقاً أن النافذة محدودة بدقيقة واحدة، وأن عليه العودة في موعد لاحق للحصول على فرصة جديدة. بهذا المعنى، تشكل «الهندسة الزمنية» جزءاً مركزياً من التجربة، حيث يُعاد تعريف لحظة الدخول إلى التطبيق باعتبارها حدثاً قصيراً واضح الحدود، بدلاً من أن تكون بداية سلسلة من التفاعلات التي يصعب الخروج منها. مثل هذا التوجه يفتح أمام صناع المحتوى والمصممين إمكانية التفكير في صيغ تحريرية أو ترفيهية مبنية على جرعات وقت مضبوطة، تستبدل منطق التدفق المستمر بمنطق اللقاء القصير المكثف.

المثال الثاني المطروح في المقال ينتقل إلى الفضاء المادي من خلال تعاون بين Dentsu وشبكة السكك الحديدية الوطنية في اليابان. في هذا المشروع، لا يجري اختزال الوقت الذي يمضيه الركاب في المحطات، بل إعادة تشكيل دلالته عبر نظام بسيط لجمع الأختام الخاصة بكل محطة. يتاح للمسافر أن يحصل على ختم مميز في كل محطة يتوقف عندها، ما يجعل فترات الانتظار القصيرة جزءاً من رحلة تراكمية لبناء مجموعة شخصية من العلامات المرتبطة بأكثر من ألف محطة عبر البلاد. يتحول الانتظار هنا من لحظة فراغ لا وظيفة لها إلى فرصة صغيرة لإضافة عنصر جديد إلى مشروع ممتد، يستفيد من تقليد راسخ في الثقافة اليابانية يتمثل في جمع الأختام من المعابد والمواقع التاريخية. بذلك، تخلق التجربة نوعاً من الارتباط الهادئ بين البنية التحتية للنقل العام وممارسات اللعب الخفيف وجمع التذكارات.

هذه الحالات العملية تكتسب معنى إضافياً عند ربطها بالتوجهات الأوسع للصناعات الإبداعية في اليابان، حيث تشتغل مؤسسات حكومية وخاصة منذ سنوات على استثمار ثقافة الألعاب والأنيمي والوسائط التفاعلية في بناء نماذج اقتصادية جديدة. يشكل هذا المناخ أرضية ملائمة لتجارب تعتمد مزجاً بين التصميم التفاعلي والاعتبارات النفسية المرتبطة بإدارة الانتباه، مع حرص متزايد على عدم تجاهل النقاشات العامة حول أثر الإفراط في استخدام الشاشات في حياة الأطفال واليافعين. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى «الشيفرة الإبداعية» التي تتبناها Dentsu بوصفها محاولة لتجميع عدد من المبادئ العملية: تقنين الوقت، توزيع لحظات المكافأة، احترام حدود الانتباه، وربط التجربة الرقمية أو المادية بأفق تراكمي يظل تحت سيطرة المستخدم.

عرض هذه النماذج في مهرجان عالمي مثل Cannes Lions يمنحها بعداً معيارياً داخل صناعة الإعلانات والتسويق، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة مفتوحة حول آفاق تعميمها في بيئات مختلفة. فالتقنيات الناعمة التي تستخدم أنماطاً ذكية للترقب والمكافأة قد تستمر في إحداث تأثير سلوكي ملموس حتى مع تقليص زمن التعرض؛ لذلك يظل النقاش مفتوحاً حول ما إذا كان ضبط الوقت وحده كافياً لتخفيف الآثار الإدمانية المحتملة، أم أن الأمر يتطلب أيضاً مراجعة أعمق لبنية الحوافز وطريقة توظيفها. كما أن نقل هذه المقاربات إلى سياقات غير يابانية يستدعي مراعاة اختلاف أنماط الاستخدام اليومي للتطبيقات ووسائل النقل والألعاب، وهو ما يوفر مجالاً واسعاً أمام البحث الصحفي والتحليلي لفهم كيف يمكن لصناعة الإعلام أن تتعامل مع الانتباه والزمن كعنصرين أساسيين في تصميم المنتج، لا كمعطيات ثانوية تترك بالكامل لمنطق السوق والتقنيات الخوارزمية.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97096235/-...


: في نفس القسم