الحلقة المصوّرة التي يستضيف فيها بودكاست «مغارب» كمال القيزاني، المدير العام السابق للأمن الوطني التونسي، تقدّم واحدة من أكثر الشهادات العلنية كثافة حول بنية الأجهزة الأمنية التونسية وتحولاتها من عهد الحبيب بورقيبة إلى ما بعد 25 يوليو/تموز في زمن قيس سعيّد. تظهر هذه المقابلة الطويلة، المنتجة من طرف منصة البودكاست الرقمية «أثير» في 3 يونيو/حزيران 2026، كرواية داخلية نادرة لرجل أمضى عقودًا داخل «الغرفة الأمنية» ثم خرج منها متهمًا في قضايا تصل أحكامها، وفق ما يذكر، إلى 68 سنة سجناً.
منذ الدقائق الأولى، يضع القيزاني إطارًا لشهادته بوصفها «شهادة وطنية» أكثر منها سيرة شخصية، رابطًا قرار كسر الصمت بحالة «تفكك المؤسسات» التي يصفها، وبما يعتبره خطرًا مباشرًا على المجتمع التونسي ومصير المعتقلين السياسيين والقيادات الأمنية السجناء اليوم. هذا التقديم يمنح المقابلة بعدًا يتجاوز الدفاع عن النفس في ملفات قضائية ثقيلة، نحو محاولة تسجيل قراءة من داخل المؤسسة الأمنية لما حدث منذ سقوط نظام بن علي وحتى اللحظة الراهنة، مع إقرار منه بأن التزامه السابق بواجب التحفظ لم يعد ممكنًا مع استمرار هذا التفكك المؤسسي.
الجزء الأول من الحوار يتوقف مطولاً عند بنية العقيدة الأمنية التي تشكّلت منذ استقلال تونس سنة 1956 في عهد الحبيب بورقيبة، والتي يصفها القيزاني بأنها «عقيدة الشخص الواحد»؛ حيث تتركز السلطات في يد رئيس يمتلك أدوات الدولة وأجهزتها السيادية ويعيد تشكيل الأمن وفق نموذج رئاسوي صارم. في هذا السياق، يقدّم القيزاني نظام زين العابدين بن علي امتدادًا لهذه العقيدة أكثر منه قطيعة معها، معتبرًا أن الأجهزة الأمنية كانت «مرآة» للنظام السياسي، تتشارك معه منطق الضبط والتحكم بالفضاء السياسي والحقوقي مع ترك هامش للعمل الأمني المتصل بحماية الحدود وضبط الأمن العام ومكافحة الإرهاب.
شهادة القيزاني حول «البوليس السياسي» في الداخل والخارج تمثّل محورًا ثقيلًا في المقابلة، خاصة عندما يتحدث عن إدارة الأمن الخارجي التي عمل فيها منذ منتصف التسعينيات، وعن الدور الذي لعبته السفارات والبعثات القنصلية والملحقون الاجتماعيون في مراقبة الجاليات والمعارضين التونسيين. يقرّ بأن منظومة «البوليس السياسي» لم تقتصر على جهاز المخابرات، بل شاركت فيها مختلف مؤسسات الدولة خلال عهد بن علي، مع تسابق هياكل دبلوماسية وإدارية على الملف الأمني، في حين كان الرهان الرسمي يُقدَّم للجمهور تحت مسميات «حماية الجالية» و«تفادي التغرير بها».
في مقابل هذا السرد الرسمي، يضغط الصحفي محمد على القيزاني ليواجه رواية المعارضين والطلبة التونسيين في أوروبا الذين كانوا يعيشون، كما يقول، «الخوف من السفارات» ومن أعين ضباط الأمن داخلها، فيرسم بذلك التوتر بين خطاب «الاحاطة الأمنية» وخبرة المراقَبين الذين يرون ممارسات تجسسية صريحة. القيزاني، من جهته، يميز في حديثه بين ما يسميه «الاستباق» في نقل المعلومات لصانع القرار السياسي وبين الممارسات التي يعدّها انتهاكًا لحقوق الإنسان، مؤكدًا أنه شخصيًا يتحدث عن اختراقات بشرية للمعارضة وليس عن تنصت إلكتروني أو عمليات فنية داخل دول الاستقبال.
جزء مهم من المقابلة يتناول عمل القيزاني كضابط اتصال في سفارة تونس بألمانيا، حيث يشير إلى أنه كان يتحرك «للعلن» ممثلًا للدولة التونسية لدى أجهزة المخابرات الألمانية، في إطار بروتوكولات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف في ملفات مثل مكافحة الإرهاب. في هذا الجانب، تبرز تفاصيل عن متابعة العناصر التونسية المرتبطة بتنظيم القاعدة وتحوّلاتها نحو باكستان وأفغانستان، وعن دور الأجهزة التونسية في بناء «بنك معلومات» حول المنتمين إلى التنظيمات المتطرفة بالتنسيق مع أجهزة أمريكية وأوروبية، في زمن ما بعد تفجيرات نيروبي ودار السلام وتفجيرات مدريد.
اللقاء يلامس أيضًا المرحلة الحساسة لسقوط بن علي سنة 2011، من زاوية استخباراتية، عبر استحضار تقديرات داخل الأجهزة الأمنية بأن النظام لن يصمد بعد انتخابات 2009، وبأن الثقة بين الطبقة السياسية والنظام كانت قد تآكلت قبل انفجار الشارع. في هذا الإطار، يعيد القيزاني قراءة دور الأمن في تلك الفترة، بين منطق «النظام البوليسي» الذي يرى فيه البعض سببًا في حماية بن علي حتى اللحظة الأخيرة، وبين منطق العقيدة الأمنية التي ورثت نموذج الشخص الواحد منذ بورقيبة، مع ما يترتب عليه من ازدواجية بين مهام حماية الدولة وممارسات قمعية تجاه المعارضين والمواطنين.
من أكثر الملفات حساسية في الحوار الحديث عن «القناصة» والمرتزقة خلال أحداث الثورة، حيث يقر القيزاني بأن الاستخبارات التونسية، حتى اليوم، لا تمتلك إجابة حاسمة حول وجود قناصة رسميين أو غير رسميين ولا حول الجهة التي أدخلت المرتزقة إلى البلاد. يصف هذا الغموض بأنه «كارثة استخباراتية»، لكنه يتوقف عند حدّ القول بأنه لا يمكنه الحديث في الموضوع، ما يعكس استمرار حقل ملغوم سياسيًا وقضائيًا حول هذا الملف، ويفتح مساحة لتأويلات متعددة داخل الرأي العام التونسي حول مسؤولية الدولة وأجهزتها إبان الثورة.
تتوسع المقابلة لاحقًا إلى العلاقات مع مؤسسة الرئاسة في عهد قيس سعيّد، حيث يروي القيزاني واقعة يقدّمها كمثال على «محاولات تفجير الدولة من الداخل»، عبر طلب من مستشار خاص للرئيس منه التعاون في جمع تقارير أمنية عن مستشارين آخرين، وهو ما اعتبره تهديدًا يستدعي إبلاغ الرئيس مباشرة. هذه الرواية تربط بين منطق «توظيف مؤسسات الدولة في فبركة ملفات سياسية» وواقع ما بعد 25 يوليو/تموز، حيث يرى القيزاني نفسه جزءًا من قيادات أمنية أصبحت متهمة في قضية يعتبرها من أكثر القضايا حساسية في تونس، ما يضفي على شهادته بعدًا ذاتيًا قويًا لكنه يظل شديد الارتباط بسجالات السياسة والقضاء الراهنة.
الحوار يعمل أيضًا كمادة لفهم فلسفة القيادة الاستخباراتية لدى القيزاني نفسه؛ فهو يقدّم نفسه كمن يراهن على العنصر البشري والاختراق البشري أكثر من الاعتماد على التقنيات، ويصف خيارات القيادات الأمنية بين من «يغادر مكتبه ليجلب المعلومة» ومن ينتظر وصولها إلى مكتبه. هذه المقاربة تمنح الصحفي والجمهور فرصة نادرة لاستكشاف كيف تفكر قيادة جهاز استخبارات عربي في علاقتها بالفاعلين السياسيين والمعارضين والجاليات، وفي مفهوم «الاستباق» بوصفه وظيفة أساسية لإنارة القرار السياسي، سواء في الأنظمة السلطوية أو في مراحل الانتقال الديمقراطي.
في مجملها، الحلقة تفتح عددًا من المسارات البحثية لصحفي أو محلل مهتم بالأمن التونسي: من تطور العقيدة الأمنية منذ الاستقلال، مرورًا بمنظومة «البوليس السياسي» في الداخل والخارج، إلى إعادة رسم شبكة التعاون الاستخباراتي في الحرب على الإرهاب، ثم التحولات التي طرأت على علاقة الأمن بالقضاء والرئاسة بعد الثورة. رغم أن كثيرًا من التفاصيل التقنية يحجبها القيزاني باسم «أسرار الدفاع الوطني»، تبقى المقابلة وثيقة شفوية مطولة يمكن التعامل معها كجزء من أرشيف سرديات الدولة العميقة التونسية، مع الحاجة الدائمة لمقارنتها بوثائق قضائية، تقارير حقوقية، وشهادات أخرى مضادة لضبط التحيزات والفراغات التي قد تحملها هذه الرواية.
المصدر: مدير المخابرات التونسية الأسبق يتحدث إلى الكاميرا لأول مرة في حياته | بودكاست مغارب - كمال القيزاني
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97270361/c...