بينما تهتز الساحة السياسية الفرنسية على وقع إدانة رئيس سابق بالسجن النافذ في قضايا فساد، تبرز السويد كنموذج نقيض تقريبًا في ما يتعلق بالشفافية والمساءلة في الحياة العامة. في هذا البلد الاسكندنافي، لا تُعتبر مراقبة المنتخبين نوعًا من التشكيك أو “الصيد في الماء العكر”، بل حقًا دستوريًا راسخًا وثقافة مجتمعية عميقة تجعل من كشف الانحرافات تحصينًا للديمقراطية لا تهديدًا لها.
جوهر هذه المنظومة هو ما يُعرف بـ“مبدأ العلنية” الذي أُقِرّ منذ عام 1766، ويمنح أي مواطن الحق في الاطلاع على الوثائق الرسمية المتعلقة بالمسؤولين والهيئات العامة، من رواتب ومصاريف تمثيلية وتصريحات ضريبية ومصالح مالية. يكفي اتصال هاتفي أو بريد إلكتروني بسيط حتى يحصل الشخص، خلال مهلة وجيزة، على نسخ من هذه الوثائق، باستثناء ما يدخل صراحة في نطاق السرية المحددة قانونًا. هذه الآلية لا تقتصر على الصحفيين أو المنظمات المتخصصة، بل هي في متناول أي فرد عادي، ما يحوّل الشفافية إلى ممارسة يومية وليست امتيازًا نخبوياً.
أمثلة الواقع تعطي صورة ملموسة عن هذا الانفتاح. طلب بسيط للاطلاع على نفقات التمثيل لرئيس الحكومة لسنة معينة يكفي للحصول على كشف تفصيلي بالمبالغ والأغراض، يشمل حتى تكاليف الزينة على مائدة عشاء رسمي مع رئيس أجنبي. هذه الدرجة من التفصيل تجعل كل نفقة قابلة للتدقيق والمساءلة، وتبعث رسالة واضحة للسياسيين: أي انزلاق، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يظهر للعلن في أي لحظة. لذلك تصف منظمات المراقبة هذا النظام بأنه أشبه بـ“لقاح مضاد للفساد”، لأنه يردع التجاوز قبل أن يقع، وليس فقط بعد انكشافه.
اختبارات ميدانية أظهرت أن الغالبية الساحقة من الإدارات والمؤسسات العامة تستجيب لطلبات الحصول على وثائق في وقت وجيز، وغالبًا في اليوم نفسه، التزامًا بمبدأ السرعة الملازم للشفافية. لكن هذه الصورة الإيجابية لا تعني غياب النقاش أو النقد؛ فمع تعقّد عمل جماعات الضغط وتطور أساليب تأثيرها، ترتفع أصوات تطالب بتوسيع نطاق الشفافية ليشمل مسارات التمويل السياسي واللوبيات بشكل أدق، وإرساء آليات رقابة مؤسسية أكثر صرامة، بدل الاكتفاء بثقافة “الثقة” التي شكّلت طويلًا ركيزة المجتمع السويدي.
بعض الفضائح التي شهدتها السويد في السنوات الأخيرة عززت هذا الاتجاه. قضية قبول أحزاب رئيسية لتبرعات مجهولة المصدر، رغم حظرها، أعادت إلى الواجهة سؤال ضبط تمويل الحياة السياسية. حوادث أخرى، مثل استقالة مسؤول أمني كبير لأنه نسي وثائق حساسة في خزنة فندق، أو اضطرار خليفته إلى مغادرة منصبه بعد يوم واحد فقط إثر تسريب صور خاصة من تطبيق تعارف، جسّدت مستوى الحساسية تجاه أي سلوك قد يُضعف الثقة في الدولة. هنا لا يُنظر إلى الاستقالة كعقوبة استثنائية، بل كاستجابة أخلاقية “طبيعية” بمجرد أن يلوح ظل الشبهة.
أشهر مثال متداول في الذاكرة السياسية السويدية هو ما عُرف بـ“فضيحة توبليرون”، عندما اضطرت نائبة رئيس الوزراء في منتصف التسعينيات للاستقالة بعد الكشف عن استخدامها بطاقة الائتمان الوزارية في مشتريات شخصية صغيرة نسبيًا من قبيل الشوكولاتة والسجائر والحاجيات اليومية. قيمة المبالغ الخاطئة بلغت بضعة آلاف من اليورو، لكن مجرد استعمال المال العام لأغراض خاصة اعتُبر انتهاكًا لا يُغتفر، وقضى عمليًا على مستقبلها السياسي. القصة صارت رمزًا لنمط ثقافي يرى أن من يتولى المسؤولية يجب أن يتحمل مستوى شبه مطلق من النزاهة، وأن الخط الفاصل بين المال العام والمال الخاص غير قابل للتلاعب حتى في التفاصيل البسيطة.
يتغذى هذا النموذج أيضًا من ثقافة سياسية ترفض الامتيازات المفرطة. فالمنتخبون في السويد نادرًا ما يحصلون على مساكن رسمية أو سيارات مع سائق خاص، ولا يجرؤون عمليًا على تمرير تكاليف ملابسهم أو احتياجاتهم الشخصية ضمن نفقات التمثيل. الفكرة الجوهرية أن المسؤول يجب أن يعيش قريبًا من نمط حياة المواطنين، لا في فقاعة من الامتيازات تجعل مراقبته أو محاسبته أمرًا صعبًا. هذا التقشف الرمزي يعزز ما يسميه السويديون “الثقة في الدولة”: شعور عام بأن الحكومة والمؤسسات تحاول “فعل الشيء الصحيح”، وأن من يسيء التصرف سيُكتشف ويُحاسب، لا محالة.
مع ذلك، يدرك السويديون أن هذه المنظومة ليست منعتقة من التحديات؛ فالعالم يتغير، والضغوط على الديمقراطيات الغربية تتزايد، سواء من خلال شبكات التأثير المالي أو استغلال الثغرات القانونية أو حملات التضليل. لذلك يتجه النقاش اليوم أقل نحو مبدأ الشفافية في حد ذاته، فهو محسوم اجتماعيًا، وأكثر نحو كيفية تحديث أدوات الرقابة واستباق أشكال الفساد المستجدة. لكن ما يزال الثابت أن الجمع بين الشفافية الدستورية، والصرامة الأخلاقية، وثقافة الاستقالة السريعة عند ظهور الشبهة، هو ما يضع السويد، برغم هنّاتها، ضمن نادي الدول الأقل فسادًا في العالم، إلى جانب جيرانها في الشمال الأوروبي.
المصدر : https://alarabiya.articlophile.com/blog/i/93504801...