أعلنت السلطات الإسبانية عن ضبط ما يقارب ثلاثين طناً من الكوكايين على متن سفينة شحن تم اعتراضها في المياه القريبة من جزر الكناري يوم 3 مايو 2026، في عملية وصفت بأنها الأكبر من نوعها على مستوى أوروبا. السفينة التي تحمل اسم "Arconian" وترفع علم جزر القمر كانت قد غادرت موانئ في سيراليون متجهة نحو مدينة بنغازي، قبل أن تعترضها وحدات تابعة لـالحرس المدني الإسباني بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة.
الكمية المضبوطة، التي تقدر قيمتها السوقية بما يقارب مليار يورو، كانت مخبأة بإحكام داخل حاويات شحن، ما يعكس مستوى عالياً من التنظيم والتخطيط في شبكات التهريب الدولية. وقد جرى توقيف طاقم السفينة المؤلف من 23 شخصاً، وفتح تحقيق قضائي بإشراف النيابة العامة المختصة في قضايا الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات.
هذا التطور الأمني جاء متزامناً مع توتر سياسي متصاعد بين مدريد والسلطات المسيطرة على شرق ليبيا، بقيادة المشير خليفة حفتر. العلاقات بين الجانبين كانت قد شهدت تراجعاً ملحوظاً منذ عام 2024، عندما أوقفت السلطات الإيطالية صدام حفتر، نجل المشير، استناداً إلى معطيات قدمتها أجهزة إسبانية، من بينها تقارير صادرة عن الحرس المدني. تلك الخطوة أدت إلى ردود فعل من الجانب الليبي الشرقي شملت إجراءات طالت مصالح اقتصادية إسبانية، وعلى رأسها أنشطة شركة ريبسول في قطاع الطاقة.
في الأسابيع الأخيرة، زادت مؤشرات التباعد بين الطرفين مع استبعاد إسبانيا من المشاركة في مناورات "Flintlock 2026" التي نُظمت في مدينة سرت، وهي تدريبات متعددة الجنسيات تشارك فيها قوات من دول أفريقية وغربية بقيادة القيادة الأمريكية في أفريقيا. هذا الاستبعاد اعتُبر رسالة سياسية واضحة بشأن مستوى التنسيق الأمني والعسكري بين مدريد والسلطات الليبية في الشرق.
عقب عملية ضبط الشحنة، أبدت مؤسسات تشريعية في شرق ليبيا، من بينها البرلمان المنعقد في بنغازي، تحفظات على طريقة تواصل البعثة الدبلوماسية الإسبانية مع الجهات الليبية، معتبرة أن الإجراءات المتبعة لا تراعي القنوات الرسمية المعتمدة. وقد لوّحت هذه المؤسسات بإمكانية مراجعة العلاقات الدبلوماسية، بالتنسيق مع القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، إذا لم يتم تعديل أسلوب التعامل الحالي.
من الجانب الإسباني، تركز الخطاب الرسمي على الطابع الجنائي للعملية، مع التشديد على أن التحقيق يستهدف شبكات تهريب دولية دون توجيه اتهامات مباشرة إلى سلطات دولة بعينها. إلا أن حساسية وجهة السفينة المعلنة، إضافة إلى سياق العلاقات الثنائية، جعلت من الصعب فصل المسار الأمني عن التفاعلات السياسية.
تشير معطيات أولية إلى أن مسار الشحنة يندرج ضمن طرق تهريب متنامية تربط غرب أفريقيا بسواحل البحر المتوسط، حيث تستغل شبكات الجريمة المنظمة هشاشة بعض المسارات البحرية وتعدد نقاط العبور. كما تعكس الكمية المضبوطة تطور قدرات هذه الشبكات من حيث التمويل واللوجستيات، ما يطرح تحديات إضافية أمام أجهزة إنفاذ القانون في أوروبا وشمال أفريقيا.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو القضية مرشحة لمزيد من التداعيات، سواء على مستوى التحقيقات القضائية التي قد تمتد إلى دول عدة، أو على صعيد العلاقات الثنائية بين إسبانيا والسلطات في شرق ليبيا، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والاقتصادية.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96556430/cocaine-ma...