في أكتوبر 2011، بعد أيام من وفاة ستيف جوبز، تحوّلت واجهات متاجر أبل إلى ما يشبه النُّصب التذكارية العفوية، وهو مشهد لا يتكرر عادةً عند رحيل رؤساء شركات النفط أو الأغذية. في تدوينة نشرها عالم الاجتماع كيران هيلي، رأى أن هذه العاطفة لا يفسّرها الحديث عن تعظيم أرباح المساهمين، وأن المفتاح هو «الكاريزما». وقد قابلها ردّ فعل معاكس اعتبر الحزن على مليارديرٍ يدير شركة عملاقة أمراً غير معقول، وذكّر بظروف العمال في المصانع التي تنتج أجهزتها.
يستعين هيلي بماكس فيبر، الذي ميّز ثلاثة مصادر للسلطة المشروعة: الكاريزمية القائمة على الولاء لشخص بعينه، والتقليدية القائمة على الولاء لعُرف أو دور قديم، والقانونية العقلانية القائمة على الالتزام بقواعد ومناصب مقنَّنة. والكاريزما عند فيبر وصفٌ لا حكمٌ أخلاقي: صفة تُنسب إلى فرد يُعامَل كأنه مُنح قدرات استثنائية، دون أن يشترط أن يكون طيباً أو مهذّباً. وهي كذلك علاقة اجتماعية، فلا تعمل ما لم يعترف بها الأتباع، ولا تدوم ما لم يثبت صاحبها رسالته بالنجاح. ويذكّر هيلي بأن عبارة «مجال تشويه الواقع»، التي التصقت بجوبز، صاغها على سبيل المزاح بود تريبل، أحد العاملين معه في مشروع ماكنتوش.
داخل الشركة، تبدأ القيادة الكاريزمية شخصية وأفقية: لا تراتبية صارمة، والقائد يتدخل أينما شاء. وينقل هيلي عن جون ليلي شهادة عن قسوة جوبز مع من حوله، ويرى أن اجتماع الرؤية الداخلية والازدراء للقواعد ينتج أسلوباً متمرداً ومستبداً في آنٍ واحد. أما صورته الشهيرة جالساً على أرض بيت شبه خالٍ من الأثاث، فيقرؤها هيلي لا كتخلٍّ عن الجمال، بل كاستخفاف بالأسباب المعتادة للامتلاك ورفضٍ لما لا يبلغ معياره.
ثم تأتي معضلة يسميها فيبر «روتنة الكاريزما»: كيف تحفظ المؤسسة إرث مؤسّسها بعد غيابه، وقد اختلف الورثة حتماً في الإجابة عن سؤال «ماذا كان سيفعل القائد؟». يرى هيلي أن جوبز لم يكن مستبداً يفضّل غرق السفينة على أن يقودها غيره، فقد اختار خليفة وأعدّ فريقاً تنفيذياً، واستقدم عالم الاجتماع جويل بودولني لإدارة «جامعة أبل»، المكلَّفة بتوثيق طريقة عمل الشركة ونقلها إلى الموظفين الجدد. ويقرّ هيلي بأن نجاح هذه المقاربة كان آنذاك غير محسوم، فكثير من المنظمات الكاريزمية تنهار بعد رحيل مؤسسها.
أما الجمهور، فيرى هيلي أن حزنه يرتبط بتجاربه الشخصية مع الأجهزة أكثر مما يرتبط بمعرفته بالرجل، ويستشهد بكتابات كاثي سييرا وميرلن مان عن أثر منتجات أبل في مسارات مهنية وإبداعية كاملة. لكن اتساع الشركة كشف تناقضاً: فلسفة تصميم تحتفي بالحرفة والجمال، تقابلها أجهزة تُجمَّع في مصانع بالصين بأيدي عمال يتقاضون أجوراً متدنية في ظروف قاسية وخطرة. وبما أن أبل بنت علاقة عاطفية وثيقة بين المستخدم ومنتجها، صار هذا الرابط ورقة ضغط في يد الناشطين، كما حدث مع حملات مقاطعة نايكي في التسعينيات.
ويختم هيلي بواقعة رواها أندي هيرتسفيلد، أحد مهندسي ماكنتوش: طلب جوبز نقش توقيع كل عضو في الفريق على القالب الذي يصبّ العلبة البلاستيكية، فظهرت التواقيع داخل كل جهاز، وإن لم يرها أحد. ويرى أن هذا المنطق نفسه كان يمكن أن يمتد إلى المصنع، فيصبح الاهتمام بظروف الإنتاج جزءاً من صورة أبل عن نفسها، خصوصاً إذا جاء الضغط من الخارج بعد أن تولى تيم كوك، «رجل اللوجستيات»، قيادتها. ويترك الخيار لمن حزنوا على جوبز: إما تخليد شخصه فحسب، وإما مطالبة الشركة بالوفاء لمبادئه في الإتقان وحبّ الحرفة وتوسيع الإبداع. وتجدر الإشارة إلى أن المقال يعكس وضع أبل عام 2011، وقد مرّت أكثر من عشر سنوات على نشره.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
برايان كانتريل ينتقد خطاب مخاطر انقراض البشر بالذكاء الاصطناعيالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98145307/s...