سر النجاح في عالم التشتت: قوة «الانشغال الواحد»


Rédigé le السبت 16 ماي 2026 à 16:55 | Lu 1 commentaire(s)



في مقال جديد ضمن مجلة «ذي أتلانتيك»، يعرض الكاتب ديفيد إبستين رؤية تقوم على إعادة الاعتبار لمفهوم «الانشغال الواحد» أو التركيز على مهمة واحدة في كل لحظة، بوصفه أداة عملية لمواجهة بيئة رقمية تتكاثر فيها المثيرات وتتناقص فيها القدرة على الانتباه العميق. ينطلق النص من تجربة كاتبة تتعمد خلق عزلة مادية ونفسية في غرفة عملها، حيث ترفض السماح لأي شخص بتنظيف المكان أو لمس حاسوبها، معتبرة أن هذا الثبات في المحيط اليومي شرط أساسي لإنجاز عملها الكتابي. هذه الممارسة الفردية تُقدَّم نموذجاً لكيفية تحويل الفضاء المحيط إلى بنية حامية للتركيز، في زمن يغدو فيه الحفاظ على الانتباه المستمر جهداً استثنائياً أكثر منه حالة طبيعية.



يستند إبستين إلى أدبيات علمية تؤكد أن العقل البشري مهيأ تلقائياً لالتقاط كل إشارة جديدة في البيئة، ما يجعل الانتباه الطويل إلى فكرة واحدة مهمة شاقة على مستوى البنية العصبية ذاتها. يشير المقال إلى أن إزالة المشتتات الخارجية ترفع فوراً من القدرة الإبداعية، مستشهداً بما عرضته الكاتبة العلمية آني مورفي بول في كتابها «العقل الممتد» حول حاجة الإنسان الحديث إلى عزل نفسه عمداً حتى يفكر بعمق في مفاهيم مجردة وأرقام ورموز. الفكرة المحورية هنا أن التركيز المستمر لم يكن يوماً أمراً بديهياً، بل نتيجة ترتيبات مكانية وزمنية واعية توفرها المجتمعات الحديثة لمن يضطرون للتعامل مع المعلومات الرمزية طوال اليوم.

في موازاة ذلك، يقدّم المقال عرضاً لعمل الباحثة في علم النفس غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين، التي قامت منذ سنوات بمتابعة موظفي مكاتب عبر ملاحظة مباشرة وقياس دقيق للفترات الزمنية التي يقضونها في كل مهمة. خلصت إحدى دراساتها المبكرة إلى أن الموظف المعرفي ينتقل من مهمة إلى أخرى كل ثلاث دقائق تقريباً، في نمط عمل يجعل تعدد المهام الطريقة شبه الافتراضية في المكاتب المعاصرة. لكن إبستين يوضح أن هذا «التعدد» لا يعني إنجازاً متزامناً، بل سلسلة متواصلة من تبديل «قواعد اللعبة الذهنية»، كما يصفها عالم النفس المعرفي دانيال ويلنغهام، ما يفرض كلفة إضافية في كل مرة ينتقل فيها الدماغ من سياق إلى آخر.

يبيّن المقال أن هذه الكلفة ليست مجرد انزعاج نفسي، بل تنعكس على جودة القرارات في الأعمال عالية المخاطر، حيث أظهرت دراسات أن أطباء غرف الطوارئ الذين يوزعون انتباههم على مهام متعددة يرتكبون أخطاء دوائية أكثر، وأن الطيارين الذين يعملون بعقل مشتت أكثر تعرضاً للأخطاء التشغيلية. يستحضر الكاتب عبارة للمستثمر تشارلي مانغر ينتقد فيها من يحاول القيام بثلاثة أعمال في آن واحد، في مقابل نموذج الكاتبة التشيلية إيزابيل أيّندي التي تدخل إلى مكان عملها في حالة استعداد ذهني لمهمة واحدة محددة، هي الكتابة، رافضة كل ما يمكن أن يقطع هذا التيار. في هذا البناء السردي، تتحول شخصية أيّندي إلى مثال لكيفية ترجمة الانضباط الذهني إلى طقس يومي ملموس يبدأ من باب الغرفة وينتهي بطاولة الكتابة.

يتوسع إبستين في الحديث عن تكيّف الإنسان مع مستوى معين من التشتت، بحيث يستمر في البحث عن مصادر إلهاء حتى بعد زوال المنبهات الخارجية الصريحة. يورد نتائج أبحاث تفيد بأن مجرد وجود الهاتف الذكي على الطاولة أو في الجيب، حتى وإن كان في وضعية الإطفاء، يضعف الأداء في الاختبارات المعرفية، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر ارتباطاً بأجهزتهم. هذه الملاحظة تُستخدم لتأكيد أن إدارة الانتباه لا تتعلق فقط بإطفاء الإشعارات أو إغلاق التطبيقات، بل بإبعاد الجهاز نفسه عن الحيز البصري والجسدي، ما أمكن، إذا كان المطلوب استعادة تركيز عميق.

ينتقل المقال بعد ذلك إلى تجربة شخصية عاشها الكاتب أثناء فترة تعافيه من عملية جراحية فرضت عليه حركة محدودة وألزمته البقاء في وضعيات جسدية غير مريحة. خلال تلك المرحلة، اكتشف أن القيود الجسدية أجبرته على إنجاز عمله بوتيرة هادئة ومنتظمة، لأن محاولة الانتقال بين مهام متعددة كانت تسبب ألماً بالقرب من موضع الغرز. من هنا صاغ مفهوم «المراقب الجسدي» الذي ينبّه صاحبه إلى ثمن تعدد المهام، موضحاً كيف أن القيود المفروضة من الخارج قد تدفع الفرد إلى نمط عمل أكثر تركيزاً، حتى إن لم يكن ذلك جزءاً من خطة واعية مسبقاً.

في جزء آخر من النص، يستحضر إبستين قصص كاتبتين معروفتين، لورا هيلنبراند مؤلفة «سيبيسكيت» و«أنبروكن»، وسوزانا كلارك صاحبة «بيرانيسي»، وكلتاهما عانتا من متلازمة التعب المزمن واضطرّتا إلى تبسيط جداولهما وترتيبات عملهما. يشير إلى أن المرض، رغم قسوته، فرض عليهما تدابير تجعل عملية الكتابة أكثر بساطة وتدرجاً، وهو ما ساعد على ظهور أعمال بارزة رغم محدودية الطاقة المتاحة. يربط إبستين بين هذه النماذج وبين فكرة القيود البنّاءة، معتبراً أن الظروف غير المرغوبة يمكن أن تنتج عادات عمل أكثر اتزاناً وسلامة على المدى الطويل.

تستند المقاربة النظرية في المقال إلى أعمال هربرت سايمون، الرائد في علوم الحاسوب وعلم النفس والاقتصاد، الذي جعل من دراسة كيفية اتخاذ الإنسان للقرارات محوراً أساسياً لأبحاثه. يرى سايمون أن الأفراد لا يملكون معلومات كاملة عن خياراتهم أو نتائجها المستقبلية، لذلك يميلون إلى ما سماه «الاكتفاء» بدلاً من «التحسين»، أي اختيار بديل مقبول من ضمن مجموعة محدودة من الإمكانات المتاحة. من هذه الزاوية، لا يعود الهدف إغراق الذات بالمزيد من المعلومات، بل حماية الانتباه باعتباره مورداً نادراً، في تناقض مع شعار «المزيد من المعلومات أفضل دائماً» الذي صاحب الثورة الرقمية.

يستشهد إبستين بواحدة من دراسات مارك التي أظهرت أن الموظف المعرفي يفتح بريده الإلكتروني عشرات المرات في اليوم، إذ بلغ المتوسط سبعة وسبعين مرة في إحدى العينات. انطلاقاً من ذلك، يعرض الكاتب خطوات اعتمدها بنفسه لإعادة تنظيم يومه، منها الامتناع عن بدء الصباح بالبريد الإلكتروني حتى لا يتحول إلى بوابة فورية لتعدد المهام، إضافة إلى تقليص قائمة المهام اليومية والتركيز على هدف واحد يعتبر إنجازه معياراً لنجاح اليوم. يربط هذه الممارسات بما يعرف في علم النفس بـ«مغالطة التخطيط»، أي الميل المنهجي إلى تقدير مفرط لما يمكن إنجازه في فترة زمنية محدودة ثم الانخراط في تعدد المهام لمحاولة اللحاق بقائمة لا تنتهي.

يتناول المقال أيضاً الاستفادة من إعدادات الهاتف مثل «وضع التركيز» لتقييد الإشعارات، إلى جانب وضع الجهاز في غرفة أخرى خلال فترات العمل، مع استخدام دفتر ملاحظات بسيط لتسجيل الأفكار أو المهام الطارئة بدلاً من الانتقال فوراً إلى تطبيقات رقمية. يوضح إبستين أن هذا «التفريغ الذهني» يساعد على عدم احتلال المهام المؤجلة لمساحة من الذاكرة العاملة، ما يسمح بتوظيف القدرات العقلية المتاحة في المهمة الأساسية. في الوقت نفسه، يقر بأن كثيرين لا يستطيعون إغلاق هواتفهم طوال ساعات، مثل العاملين في التمريض أو التدريس، لكنه يقترح حداً أدنى من إعادة التنظيم من خلال تجميع الأعمال الإدارية في فترات محددة بدلاً من توزيعها على اليوم كله.

في خاتمة المقال، يشير الكاتب إلى بحث واسع شمل قرابة مليون عملية جراحية، كشف أن المرضى الذين أجريت لهم عمليات في يوم عيد ميلاد الجراح واجهوا نتائج صحية أسوأ في الأيام التالية، في إشارة إلى أثر التشتت الشخصي على أداء مهني عالي الحساسية. يربط إبستين هذه النتيجة بما يعرف عن تأثير المواعيد النهائية، مستحضراً مثال المعماري فرانك لويد رايت الذي أنجز تصميم «فالينغ ووتر» خلال ساعات قبيل زيارة العميل، والموسيقي ديوك إلينغتون الذي كان يردد أنه يحتاج إلى موعد نهائي أكثر مما يحتاج إلى الوقت نفسه. غير أن المقال ينبه إلى أن الضغط الزمني قد يدفع إما إلى تركيز صارم على مهمة واحدة أو إلى فوضى تعدد المهام، وأن الفارق بين النتيجتين يتوقف على طريقة تنظيم الانتباه لا على الموعد النهائي ذاته.

في ضوء هذه الأمثلة، يقترح إبستين أن بناء «هياكل» تحمي الانتباه، سواء عبر عادات بسيطة أو قيود ذاتية أو ترتيبات مكانية، أصبح ضرورة عملية في بيئة عمل قائمة على الاتصال الدائم وتدفق المعلومات. وفق هذا التصور، يغدو «الانشغال الواحد» ليس مجرد نصيحة سلوكية، بل خياراً تنظيميّاً للعيش والعمل، يهدف إلى تقليص عدد الانتقالات الذهنية في اليوم وتحسين جودة القرارات والإنجازات في آن واحد. المقال، المقتبس من كتابه المنتظر «Inside the Box: How Constraints Make Us Better»، يقدم بذلك دفاعاً مطوّلاً عن فكرة أن الحدود يمكن أن تكون مصدراً لحرية ذهنية أوسع، عندما تُصمَّم لخدمة الانتباه وترتيب الأولويات.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96523139/-...


: في نفس القسم