المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

سبتة: مأساة إنسانية واستغلال أخبار زائفة ضد المغرب


الجمعة 7 أغسطس 2026 à 13:14 |




تكشف حصيلة أولية أعلنتها لجنة إسبانية للطب الشرعي عن 80 وفاة مرتبطة بمحاولات الوصول إلى مدينة سبتة، فيما تتواصل عمليات البحث والتعرّف إلى الضحايا. خلف هذه المحنة الإنسانية، تمددت موجة من الأخبار الزائفة التي اعتمدت مقاطع مجتزأة وصوراً منزوعة السياق لتشييد سردية سياسية معادية للمغرب وللمهاجرين.



في أواخر يوليوز، شهد الشريط الحدودي بين شمال المغرب وسبتة تدفقاً واسعاً لأشخاص سعوا إلى العبور نحو المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية. تشير تحريات صحافية إلى أن الشرارة كانت إشاعة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية تفيد بأن “الحدود مفتوحة”، نتيجة تأويل مضلل لحكم قضائي إسباني يخص اعتراض القوارب في البحر، لا فتح المعابر البرية ولا ضمان البقاء التلقائي لمن يصل إلى المدينة. لم يكن الحكم المذكور يعني تغييراً في وضع الحدود أو منح إقامة تلقائية، لكن الرسالة المضللة دفعت شباناً وقاصرين وعائلات إلى قرارات مصيرية استناداً إلى معلومات غير موثوقة. كانت المحصلة ثقيلة، إذ سُجلت عشرات الوفيات معظمها بسبب الغرق.

تغذّت الأزمة بمقاطع قصيرة قُدمت خارج سياقها. أحد الفيديوهات الأكثر تداولاً يظهر سيارات ودراجات محترقة وحافلة متفحمة، واستُخدم لترويج فكرة أن سبتة تعرّضت لتخريب شامل في ساعات قليلة. غير أن مطابقة المعالم الطرقية في المقطع، ومنها إشارات تشير إلى “سبتة 0,5 كلم” و“تطوان 32 كلم”، تضع المشهد على الجانب المغربي قرب المعبر، لا داخل المدينة الإسبانية. هذا الفرق في الموقع يحوّل الاستنتاج إلى تضليل مكاني صريح؛ فوجود توترات في محيط المعابر لا يبرهن على تخريب داخل سبتة، ولا يبرر استنتاجات تُحمّل المغرب مسؤولية أحداث لم تقع في المكان الذي يُدّعى أنها حدثت فيه.

في مقطع آخر، بدا عشرات الشبان ينزلون من شاحنة على مقربة من عنصر أمن، لتروّج حسابات مختلفة فرضية نقل منظم نحو سبتة أو تسهيل متعمد للعبور. التحقق الجغرافي وضع التصوير قرب تطوان على مسافة تقارب خمسين كيلومتراً من سبتة، لا على الشريط الحدودي، ما ينفي الادعاء المركزي للمروجين. لا يكشف المقطع سياقاً يُثبت عملية رسمية منظمة، ولا يقدم دليلاً على “تواطؤ” مؤسسي. هكذا تعمل آلية التضليل: صورة صحيحة، سياق محذوف، واستنتاج سياسي مبالغ فيه يُقدَّم كحقيقة نهائية.

تجاوزت الحملة الحدود المحلية مع إعادة تدوير صور قديمة للوصول بالقوارب في أماكن أخرى وربطها بأحداث سبتة، ضمن خطاب “الغزو” و”الفوضى” الذي تبنّته حسابات على صلة باليمين المتطرف في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا. هذا الخلط لا يصنع دليلاً، ولا يبرّر اتهام المغرب بتدبير موجة الهجرة دون إثبات. اختزال الأزمة في “مؤامرة مغربية” يتجاهل عوامل حاسمة: سرعة انتشار الشائعات الرقمية، تأثير المنصات على المراهقين والشباب، نشاط شبكات التهريب، وتعقيدات السياسات الأوروبية. تقارير دولية تشير إلى أن حملة تضليل بشائعات مكثفة كانت محركاً رئيسياً لاندفاع الآلاف نحو المنطقة الحدودية.

في سياقات الهجرة، تتحول الأخبار الزائفة من مشكلة إعلامية إلى خطر مباشر على الحياة. إشاعة عن “حدود مفتوحة” أو “بقاء تلقائي” قد تدفع أفراداً إلى سلوك طرق بحرية وحدودية شديدة الخطورة. تقنيات التحقق الأساسية ضرورية: تحديد مكان وتاريخ التصوير، فحص مدى مطابقة المقاطع للادعاء المرفق بها، البحث عن نشر سابق في سياقات مختلفة، التدقيق في هويات الحسابات التي تروّج المواد وخطابها المعتاد، والرجوع إلى مصادر مستقلة أو بيانات رسمية قبل البناء على أي سردية. بين مأساة إنسانية واندفاع رقمي، تبرز حاجة ملحّة إلى صحافة تحقق وأدوات تدقيق ووعي جماهيري يحصّن الفضاء العام من حملات الأخبار الزائفة التي تستهدف المغرب والمهاجرين على السواء.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97610318/ceuta-rume...



Rss
Twitter
Newsletter