بعد ثلاثين عاماً على خطف سبعة من رهبان دير «سيدة الأطلس» في تيبحيرين الجزائرية والإعلان عن مقتلهم في ربيع 1996، ما زالت قصتهم تُروى كمسار لم ينتهِ عند حدود المأساة، بل أخذ وجهاً جديداً في جبال الأطلس المغربية حيث تواصل جماعة صغيرة من الرهبان حمل الإرث الروحي نفسه في محيط مسلم يشبه البيئة الأولى في كثير من ملامحه. صار هذا المسار يُستحضر اليوم بوصفه تجربة ممتدة عبر الزمن والجغرافيا، تنتقل من قرية جزائرية معزولة إلى مدينة أطلسية هادئة، مع الاحتفاظ بخيط ناظم واحد هو خيار العيش جنباً إلى جنب مع السكان المحليين في بساطة يومية متدرجة.
نشأة القصة تعود إلى دير «سيدة الأطلس» في تيبحيرين، القابع في منطقة جبلية جنوب العاصمة الجزائرية، حيث استقر رهبان سيسترس منذ ثلاثينات القرن الماضي في قرية يغلب عليها الحضور المسلم. هناك تشكلت، خطوة بعد أخرى، حياة مشتركة تقوم على إيقاع الصلاة والعمل، تمتد من خدمة الحقول والبساتين إلى تقديم الرعاية الطبية على يد الراهب الطبيب لوس، مروراً بمشاركة المناسبات العائلية والقرَوية. ومع مرور الوقت، لم يعد الدير مجرد مبنى ديني معزول، بل نقطة التقاء بين تقليد رهباني مسيحي من جهة، ومجتمع ريفي مسلم من جهة أخرى، تتخلله جلسات حوار روحي جمعت الرهبان بمتصوفة محليين، في ما عُرف لاحقاً بتجربة «رباط السلام».
في تسعينات القرن الماضي، ومع دخول الجزائر مرحلة العنف المسلح، وجد رهبان تيبحيرين أنفسهم في قلب واقع مضطرب تتداخل فيه التهديدات الأمنية بأسئلة الاستمرار أو المغادرة. ورغم تصاعد المخاطر وتنبيه السلطات المتكرر، تمسّكت الجماعة بالبقاء قرب الأهالي الذين عاشوا معهم سنوات طويلة، معتبرة أنّ معنى وجودها يرتبط بهذا القرب اليومي لا بالاستقرار الآمن داخل أسوار بعيدة. في ليلة 26 – 27 مارس 1996، اختُطف سبعة من الرهبان على يد مجموعة مسلّحة، ثم أُعلن بعد أسابيع عن مقتلهم، في واقعة بقيت تفاصيلها محل نقاش، لكنها استُقبلت داخل الكنيسة بوصفها ذروة لمسار حياة اختار أصحابه الثبات حتى النهاية.
بعد تلك الليلة، لم تُغلَق صفحة «سيدة الأطلس». اثنان من الرهبان الذين نجوا من الحادثة، جان بيار شومّاخير وأميديه نوتو، حملا شيئاً من دير تيبحيرين إلى المغرب، حيث أقاما أولاً في فاس قبل أن يتبلور مشروع دير جديد في ميدلت، في قلب الأطلس، يحمل الاسم نفسه ويُعد امتداداً حياً لتجربة الجزائر. مع مطلع الألفية الجديدة بدأت النواة الأولى لهذا الدير، صغيرة العدد ومتعددة الجنسيات، لتتكوّن لاحقاً جماعة من خمسة رهبان من خلفيات مختلفة، يجمعهم اختيار حياة رهبانية بسيطة في محيط جبلي ذي غالبية مسلمة.
هذا الامتداد المغربي لتجربة تيبحيرين نُقل في حوار مطوّل أجراه موقع «مركز واحة» مع أحد رهبان دير «سيدة الأطلس» في ميدلت، قدّم فيه الراهب من موقع المعايشة اليومية صورة عن «روح تيبحيرين» وهي تعيش بصيغة أخرى فوق التراب المغربي، من خلال إيقاع حياة يربط الصلاة بأبسط تفاصيل العلاقات مع الجيران المسلمين. في روايته، يبدو الدير مكاناً يُستقبل فيه الزائر بهدوء، تُفتح فيه الأبواب للقرويين الذين يقصدونه للسؤال أو المشاركة في لحظة عزاء أو فرح، وتتكوّن عبر الزمن شبكة من الوجوه والصداقات تتجاوز الفوارق الدينية إلى مستوى حياة مشتركة ملموسة.
حياة الرهبان في ميدلت تخضع لجدول معروف في تقليد الترابست: صلوات موزّعة على اليوم، عمل يدوي في الحقول أو الورش الصغيرة، واستقبال محدود لمن يبحث عن فترة صمت وتأمل. غير أن خصوصية المكان لا تكمن في هذا الإيقاع وحده، بل في الطريقة التي تنسج بها الجماعة علاقتها مع المحيط الأمازيغي – العربي: زيارات متبادلة، حضور في الأفراح والأتراح، مشاركة هموم سكان القرى المجاورة، من غير أن يتحوّل هذا الحضور إلى نشاط اجتماعي صاخب أو مسعى تبشيري مباشر.
ضمن خريطة الكنيسة الكاثوليكية في المغرب، التي توصف أحياناً بأنها حضور صغير وهادئ داخل مجتمع مسلم واسع، يظهر دير ميدلت كإحدى النقاط التي تحمل ذاكرة خاصة. فهو في آن واحد جزء من شبكة مؤسسات تهتم بالمهاجرين والطلبة والفئات الهشة، ووريث لتجربة دير استُهدف في سياق نزاع مسلح في بلد مجاور، ثم اختار أن يواصل حياته في فضاء آخر مع الاحتفاظ بمنطق القرب من المسلمين. لذلك يشير عدد من الكتب والدراسات إلى ميدلت بوصفها المكان الذي «تواصل فيه سيدة الأطلس حياتها اليومية» من خلال وجوه جديدة وشروط مختلفة.
مع تطويب رهبان تيبحيرين في احتفال أقيم بمدينة وهران عام 2018، اكتسبت قصتهم بعداً كنسياً عالمياً أوسع، لكن استمرار دير «سيدة الأطلس» في ميدلت أضفى على هذا البعد العالمي جذراً محلياً معاشاً. لم تعد الحكاية مجرد ذكرى لسبعة رهبان قُتلوا في سياق صراع مسلح، بل مثالاً لعلاقة يمكن أن تنشأ بين أقلية مسيحية صغيرة وأغلبية مسلمة على أساس حياة يومية مشتركة، هادئة وغير صدامية. بهذه الصورة، يبدو أنّ «روح تيبحيرين» الذي تَشكّل في جبال الجزائر ما زال يتحرك بهدوء في جبال الأطلس المغربية، عبر جماعة صغيرة اختارت أن تجعل من وجودها اليومي جسراً صامتاً بين ضفتين دينيتين وثقافيتين متجاورتين.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95657051/roh-tybhyry...

شهادة رهبان وراهبات كاثوليك قُتلوا في الجزائر
