مع بداية شهر رمضان في بريطانيا، يعيش ملايين المسلمين تجربة الصيام من الفجر حتى غروب الشمس في إطار من التأمل الروحي وممارسة التضامن والعمل الخيري، لكن هذا الزمن الروحي يتزامن أيضًا مع تصاعد ملحوظ في مشاعر العداء للمسلمين في الفضاءين العام والرقمي، حيث تُختزل حياة المسلمين في عناوين مثيرة وصور نمطية تكرّس تصورهم باعتبارهم «مشكلة» أو «تهديدًا». يلفت الكاتب والقانوني البريطاني البارز نذير أفزال، المستشار في جامعة مانشستر والمدعي العام السابق، إلى أن مصطلح «الإسلاموفوبيا» يبدو تقنيًا وباردًا مقارنة بحقيقة ما يواجهه المسلمون من كراهية وتمييز وإساءة معاملة، مفضلًا وصف الظاهرة بأنها «كراهية ضد المسلمين» لما يحمله هذا التعبير من دلالة مباشرة على واقع العداء اليومي. دراسات إعلامية سابقة دعمت هذا التشخيص، إذ بيّنت أن ثلثي تغطية الصحافة البريطانية للمسلمين منذ عام 2000 تقدمهم في إطار تهديد أو مشكلة، مع هيمنة محور «الإرهاب» و«التطرف» و«صدام القيم» على القوالب الخبرية الرئيسية.
يشرح أفزال أن هذه الكراهية لا تعبر عن «خوف» مجرد بقدر ما تتجسد في ممارسات ملموسة: جريمة يرتكبها فرد مسلم تتحول إلى إدانة جماعية، وعادة ثقافية تُسحب من سياقها وتُستخدم لتغذية الخوف، ومعتقد ديني يُشوَّه ليُقدَّم كخطر ممنهج، قبل أن تنزلق هذه الروايات إلى مستويات من العنف والترهيب والإقصاء تستهدف كل من يُنظر إليه على أنه مسلم، في الشارع كما على الإنترنت. في تجربته الشخصية، يلاحظ أنه نادرًا ما يُعرَّف في المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي يعمل بها من خلال هويته الدينية عندما يحقق نجاحًا أو يقوم بدور مدني إيجابي، بينما تُستدعى صفة «المسلم» وتُضخّم عندما يتعلق الأمر بالسلطة أو الجدل أو الاتهامات، في مفارقة تكشف كيف تصبح الهوية الدينية «مرئية» فقط عندما تخدم سردية الصراع. هذا الانتقائية في إبراز الانتماء الديني تتقاطع مع نتائج أبحاث إعلامية رصدت ميلًا منهجيًا إلى ربط الإسلام والمسلمين بمفاهيم التهديد و«المناطق المغلقة» و«القيم المناقضة للبريطانية»، مقابل حضور ضعيف للقصص التي ترصد مساهمات المسلمين أو تعرضهم للعنصرية.
ينبه أفزال إلى أن المسلمين في بريطانيا يشكلون جزءًا حيويًا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فهم أطباء ومعلمون ورواد أعمال وموظفو خدمة عامة وأفراد في القوات المسلحة ومقدمو رعاية، لكن النظرة السائدة لا تزال تميل إلى اختزالهم في خانة «الآخر» بدل التعامل معهم كمواطنين متنوعين ومندمجين. في المقابل لا يتجاهل الكاتب التحديات الداخلية، فيشير إلى وجود قضايا حقيقية تتعلق بالتطرف، وصعوبات الاندماج في بعض المناطق، وتمثيل مفرط للمسلمين في السجون، مع تنوع كبير داخل المجتمعات المسلمة نفسها في مدن مثل لندن التي تضم مسلمين من أكثر من 60 دولة. غير أن معالجة هذه الملفات، كما يؤكد، يجب أن تتم بصدق ومسؤولية بعيدًا عن الاستغلال التحريضي، لأن دعاة الكراهية لا ينتظرون بيانات أو إحصاءات لتبرير مواقفهم؛ يكفيهم وجود هدف جاهز تُعلّق عليه كل المخاوف.
في مستوى التفاصيل اليومية، ينتقد أفزال منطق «اللوم الجماعي» الذي يحول ممارسات أفراد أو آراء شخصية إلى مرآة لجماعة كاملة؛ فالمسلم الذي يطلب من زملائه احترام صيامه لا يتحدث باسم 3.9 ملايين مسلم في بريطانيا، ومن يبالغ في الدفاع عن قضية «اللحوم الحلال» لا يمثل مسلمًا نباتيًا مثله، كما أن من يهاجم الذبح الحلال باعتباره أكثر قسوة يتجاهل أن الجزء الأكبر من اللحوم الحلال في بريطانيا يأتي من مسالخ صناعية خاضعة لنفس المعايير المعتمدة لباقي اللحوم. يربط الكاتب بين هذه المقاربات السطحية وحالات «الهلع الأخلاقي» حول قضايا مثل زواج الأقارب، وجرائم «الشرف»، وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، موضحًا أنه عمل على هذه الملفات منذ أكثر من عقدين، من خلال تنظيم أول مؤتمر وطني حول ما يسمى «العنف المرتبط بالشرف» والمساهمة في صياغة الرد القانوني، وأن جذور هذه الممارسات تعود إلى أعراف وثقافات محلية لا صلة لها بالإسلام كنص ديني.
يتوقف أفزال عند قضية «عصابات الاستغلال الجنسي» التي نُسبت إعلاميًا إلى «مسلمين» في بعض المدن، مذكرًا بأنه قاد بنفسه ملاحقات قضائية ضد متورطين والتقى بالضحايا وراجع الأدلة دون أن يجد أي دافع ديني في هذه الجرائم، بل نمطًا من استغلال رجال لفتيات ضعيفات وفشل مؤسسات في الإنصات للضحايا. بالنسبة له، لا تتحول الجريمة إلى فعل ديني لمجرد أن اسم الجاني مسلمًا، كما أن تعميم هذه الحالات على مجتمع كامل يساهم في ترسيخ تصور جماعي بالذنب لا سند له. هذا النمط من الربط الآلي بين الإسلام والعنف سبق أن رُصد كذلك في تقارير نقدية تناولت خطاب «عناوين الخطر» الذي يربط المسلمين بالإرهاب في تغطية الصحافة البريطانية، رغم أن نسبة ضئيلة فقط من التغطيات ركزت على الهجمات أو الجرائم التي تستهدف المسلمين أنفسهم.
على المستوى القانوني، يوضح أفزال أن الإطار التشريعي الحالي لا يوفر للمسلمين نفس مستوى الحماية الذي قد تحظى به مجموعات مصنفة عرقيًا، لأن القانون لا يعامل المسلمين كفئة «عرقية» بل كأصحاب عقيدة، ما يضطر ضحايا الكراهية للاعتماد على قوانين «جرائم الكراهية الدينية» ذات العتبة العالية للإدانة. يستحضر في هذا السياق حوارًا جمعه بمحامٍ يمثل «الحزب الوطني البريطاني» أوضح فيه الأخير أن الحزب يعرف بدقة أين تقف الحدود القانونية بحيث يدفع بخطابه إلى أقصى حد ممكن من دون أن يتجاوزها، ما يخلق هامشًا واسعًا من التحريض غير المعاقب عليه فعليًا. هذا الخلل القانوني يتقاطع مع بيئة إعلامية وسياسية تسمح بتطبيع خطاب التعميم، الأمر الذي وثقته أيضًا تقارير بحثية مستقلة عن صورة الإسلام في الإعلام البريطاني.
في الفضاء الرقمي، تتسع دائرة الإشكال؛ فمزيج إخفاء الهوية، وانتشار الحسابات الآلية، وضغط الموارد على أجهزة إنفاذ القانون يجعل المنصات بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية على نطاق واسع، مع قابلية هذا الخطاب لتغذية مسارات تطرف متوازية: من جهة، يدفع بعض الأفراد نحو اليمين المتطرف، ومن جهة أخرى يغذي شعورًا بالغبن لدى جزء من الشباب المسلمين. هذا التفاعل بين خطاب الكراهية والردود المتطرفة يخلق دائرة مغلقة تستثمر فيها التنظيمات المتشددة وخطابات الشعبوية، بينما تتراجع المساحات الوسطية التي ترى في المسلمين جزءًا طبيعيًا من المجتمع البريطاني.
مع ذلك، يؤكد أفزال أنه ما زال متمسكًا بنظرة متفائلة حيال المجتمع البريطاني، معتبرًا أن أعظم ما يملكه هذا المجتمع ليس التجانس بل قدرة نسبية على القبول والتسامح، وأن أفضل ما فيه يتجلى عندما يُصر على أن المواطنة لا تُبنى على التطابق التام بل على الاعتراف بالاختلاف. من هذا المنطلق، يصف إيمانه الإسلامي بأنه لا «يُعرّفه» بالكامل بقدر ما «يصقله»، لأنه يدفعه إلى العدل وخدمة الآخرين والرحمة، من دون أن يجعله معصومًا أو موضع شبهة، رافضًا ادعاء أي فرد تمثيل «المسلمين» ككل بحكم أن المجتمع المسلم شديد التنوع والرأي والاندماج في مختلف مفاصل الحياة البريطانية.
في سياق رمضان تحديدًا، يذكّر أفزال بأن ملايين المسلمين في بريطانيا يصومون من الفجر إلى الغروب، يخصصون مواردهم لدعم المبادرات الخيرية ويُعرفون بمستويات مرتفعة من العطاء، ويُصلّون من أجل بلد يعتبرونه وطنًا لهم. في مواجهة عناوين مثيرة وصور نمطية، يطرح سؤالًا محوريًا: المسألة لم تعد «ماذا يعني أن تكون مسلمًا اليوم؟» بل «هل باتت بريطانيا قادرة على رؤية المسلمين كما هم فعلًا، لا كعنوان ولا كتهديد ولا كصورة نمطية، بل كمواطنين وشركاء في المجتمع؟». هذا السؤال، الذي تتناوله مقالة نذير أفزال في صحيفة الغارديان، يعيد صياغة النقاش حول المسلمين في بريطانيا خارج منطق الاستثناء الأمني، ويدعو إلى مراجعة دور الإعلام والخطاب العام في نقل التجربة اليومية للمسلمين بوصفهم أفرادًا متنوعين لا مجرد مادة لعناوين جاهزة.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/94992728/rmdan-oal...


