يتسع في الولايات المتحدة تيار مناهض لبعض مسارات الصناعة التكنولوجية، يجمع بين الاعتراض على مراكز البيانات، والقلق من الذكاء الاصطناعي، ورفض أدوات المراقبة الرقمية. ولا يتعلق الأمر برفض عام لكل استخدامات التكنولوجيا، بل باعتراض متزايد على نماذج تطوير ترى فيها قطاعات من الرأي العام تهديدا للخصوصية أو للوظائف أو للبيئة أو لقدرة المجتمعات المحلية على تقرير ما يُقام قربها.
ويصف الصحفي غيل دوران هذا المناخ بأنه لحظة هشاشة سياسية لشركات وادي السيليكون وكبار المستثمرين فيها. فالمخاوف من بناء مراكز بيانات ضخمة، ومن التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي، ومن التصورات التي تتحدث عن فقدان واسع للوظائف، تمنح السياسيين فرصة لتقديم خطاب يركز على المطالب المحلية وحماية السكان. ولا يعني ذلك وجود جبهة موحدة أو برنامج سياسي متكامل، لكنه يعكس تزايد الانتقال من النقاش التقني المتخصص إلى الاحتجاجات والاعتراضات المدنية المباشرة.
وتؤكد بيانات مركز بيو للأبحاث اتساع التوجس من الذكاء الاصطناعي، رغم نمو استخدامه اليومي. ففي استطلاع أُجري بين 17 و23 فبراير 2026 وشمل 5,119 بالغا أميركيا، قال 49 في المئة إنهم يستخدمون روبوتات المحادثة، مقارنة بـ33 في المئة عام 2024. ويستخدم 42 في المئة هذه الأدوات للبحث عن المعلومات، فيما أفاد 38 في المئة من العاملين باستخدامها في مهام مرتبطة بالعمل. ومع ذلك، لا يقود انتشار الاستخدام إلى تفاؤل مماثل بشأن الأثر الاجتماعي طويل المدى.
فقد قال 40 في المئة من البالغين الأميركيين إن الذكاء الاصطناعي سيكون ذا أثر سلبي في المجتمع خلال العقدين المقبلين، مقابل 16 في المئة توقعوا أثرا إيجابيا، بينما اعتبر 31 في المئة أن آثاره ستكون إيجابية وسلبية بالقدر نفسه. ويظهر التحفظ بصورة أوضح لدى الفئة العمرية بين 18 و29 عاما؛ إذ توقع 48 في المئة منها أثرا سلبيا في المجتمع، رغم أنها من أكثر الفئات استخداما لهذه التقنيات.
ولا يقتصر القلق على الوظائف أو جودة المعلومات. إذ قال نحو ثلثي المشاركين إن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري بسرعة مفرطة، ولم ير سوى 2 في المئة أنه يتقدم ببطء. كما توقع 71 في المئة أن يؤدي اتساع استخدامه إلى جعل بياناتهم الشخصية أقل أمانا، مقابل 3 في المئة فقط توقعوا تحسنا في أمن المعلومات. وترتبط هذه المخاوف بعدم الثقة في قدرة المؤسسات على إدارة المخاطر؛ إذ أفاد 67 في المئة بأن ثقتهم ضعيفة أو منعدمة في قدرة الحكومة الأميركية على تنظيم الذكاء الاصطناعي بفعالية، فيما عبّر نحو ستة من كل عشرة عن ضعف الثقة في أن الشركات تطور هذه الأدوات وتستخدمها بمسؤولية.
ويتجسد هذا الاعتراض خارج فضاء الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضا، ولا سيما في الجدل حول أنظمة قراءة لوحات المركبات التابعة لشركة «فلوك سيفتي». فهذه الكاميرات تجمع صور المركبات ولوحاتها ومعلومات عن المكان والوقت، وتثير اعتراضات مرتبطة بإمكان استخدامها في التتبع والمراقبة على نطاق واسع. وفي ولاية أوهايو، رفضت هيئة محلفين كبرى توجيه تهم جنائية إلى كودي مورلوك، الذي اتهمته الشرطة بإسقاط كاميرا لقراءة لوحات السيارات وتحطيمها مع لوحها الشمسي في بلدة يونيون تاونشيب قرب سينسيناتي. وانتهى القرار إلى إسقاط الاتهامات عنه، رغم اعتماد الشرطة على تسجيلات كاميرات قريبة وبيانات مرتبطة ببطاقة ائتمان وحساب مكافآت لتحديد هويته.
ولا يقدم قرار هيئة المحلفين، في حد ذاته، حكما قانونيا عاما على شرعية أنظمة المراقبة أو قبول تخريبها. لكنه أظهر حجم الاستقطاب الذي تثيره هذه البنية التحتية، خصوصا حين يُنظر إليها بوصفها امتدادا لشبكات مراقبة عامة لا يملك السكان السيطرة الكافية عليها. وفي سان دييغو، ظهرت أيضا مواد ساخرة ومقاطع مصنوعة لأغراض الدعاية خلال النقاش حول إدخال تقنيات «فلوك» إلى المدينة، بينها مداخلة شخص متنكرا في هيئة شخصية «دارث فيدر» خلال اجتماع للجنة محلية، في واقعة أبرزت إمكان توظيف المحتوى الفيروسي والرموز الثقافية في الصراع حول السياسات التقنية.
وتزداد حساسية هذا المناخ مع التوسع في بناء مراكز البيانات التي تحتاج إليها خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. فالاعتراضات المحلية تتركز عادة على استهلاك الكهرباء والمياه، وعلى تأثير المنشآت في البنية التحتية والبيئة وأسعار الطاقة. كما يرتبط الرفض بخبرة سابقة لدى السكان مع شركات تكنولوجية كبرى يُنظر إليها أحيانا باعتبارها اتخذت قرارات مؤثرة في حياة الناس من دون مشاركة مجتمعية كافية أو شفافية كاملة في النتائج والتكاليف.
ولا يعني هذا التيار أن الولايات المتحدة تتجه إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي أو تعطيل انتشار الخدمات الرقمية. فالاستطلاع نفسه يوضح أن الأميركيين يرون فوائد شخصية للروبوتات الحوارية في الإنتاجية والوصول إلى المعلومات؛ إذ قال 30 في المئة إنها تساعدهم على إنجاز العمل، و28 في المئة إنها تحسن اطلاعهم على المعلومات. لكن الجمع بين الاستفادة الفردية والقلق العام يوضح طبيعة المعضلة: الجمهور لا يرفض بالضرورة الأداة، بل يطالب بضمانات بشأن من يملكها، وكيف تُنشر، وما الذي تفعله بالبيانات والوظائف والفضاء العام.
وفي هذا المعنى، يتجاوز الرفض الحالي مرحلة الانتقاد الأخلاقي المحدود التي رافقت شبكات التواصل الاجتماعي في العقد الماضي. فالمطالب لم تعد تقتصر على مكافحة التضليل أو تحسين الإشراف على المحتوى، بل تشمل تنظيم البنية التحتية، والحد من المراقبة، وحماية البيانات، ومساءلة الشركات عن آثار منتجاتها. ويبقى مدى تحول هذا المزاج إلى تشريعات وسياسات ثابتة رهينا بقدرة الفاعلين السياسيين والمدنيين على تحويل المخاوف المتفرقة إلى قواعد قابلة للتنفيذ، من دون تجاهل المنافع الفعلية التي تقدمها التقنيات الجديدة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/thkaaaat/i/97954743/us-tec...