نشر موقع «Contending Modernities» التابع لجامعة نوتردام الأمريكية، يوم 21 أكتوبر 2026، قراءة إسلامية مطوّلة لأولى الرسائل العامة للبابا ليو الرابع عشر، «Magnifica Humanitas» (الإنسانية العظيمة)، بقلم رشيد عمر، أستاذ الدراسات الإسلامية وبناء السلام في معهد كروك لدراسات السلام الدولي بالجامعة، وإمام مسجد كليرمونت مين رود في مدينة كيب تاون. وكانت الرسالة البابوية قد وُقّعت في 15 مايو 2026، في الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المئة لرسالة «Rerum Novarum» التي تناولت أوضاع الطبقة العاملة في زمن الثورة الصناعية. ويقدّر الكاتب أنها تتجاوز 42 ألف كلمة، تتعامل فيها مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مسألة حضارية تمسّ كرامة الإنسان والسلطة السياسية وفرص السلام، لا مجرد تحدٍّ تقني.
ويواصل عمر بهذا المقال مساراً بدأه مع رسائل البابا الراحل فرنسيس، من «فرح الإنجيل» (2014) إلى «كن مسبَّحاً» (2015) و«كلّنا إخوة» (2020)، إذ رأى فيها منصات لحوار إسلامي-كاثوليكي حول قضايا العصر الأخلاقية. وهو يرى أن الرسالة الجديدة توسّع هذه الدعوة، فيقف عند أربعة أبعاد تعني المسلمين، ثم يسجّل قصوراً واحداً وتحدياً واحداً. وقد سبق لسُبْحة أن عرضت قراءة نقدية أخرى للرسالة نفسها كتبها الباحث يوفال ليفين من موقع مختلف.
ثقافة القوة و«الفساد في الأرض»في قلب الرسالة ما يسمّيه البابا «ثقافة القوة»، أي وضع عالمي لم يعد فيه السلام مسؤولية يُضطلع بها، بل فاصلاً هشاً بين نزاعين (الفقرة 189)، ويجني فيه المجمع الصناعي العسكري أرباحه من استدامة العنف. ويرى عمر أن هذا التشخيص يلتقي بالمفهوم القرآني لـ«الفساد في الأرض»، الذي لا يقتصر على الخطيئة الفردية، بل يشمل التدمير المنهجي لشروط العدل والكرامة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، وبتذكير القرآن بمصير الأمم التي ظنّت قوتها دائمة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ (ق: 36).
وتلحّ الرسالة البابوية على أن يخدم الابتكار التقني الخير العام لا مصالح الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الأقوياء. ويجد الكاتب لهذا المطلب جذراً في مبدأ «القسط»: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء: 135)، وفي التحذير من احتكار الثروة: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7). ومن منظور مقاصد الشريعة ومبدأ المصلحة، لا يكون نظام الذكاء الاصطناعي مشروعاً أخلاقياً إذا كان يقوّض كرامة الإنسان أو يعمّق الإقصاء الاقتصادي أو يركّز السلطة على حساب الضعفاء. لذلك يدعو إلى تجاوز سؤال الحلال والحرام نحو سؤال العدل: لا يكفي أن نسأل هل يجوز للمسلمين استخدام الذكاء الاصطناعي، بل كيف يُطوَّر ويُنشر ويُحكَم، ولمصلحة من.
غير أن عمر يسجّل هنا ملاحظة نقدية يستند فيها إلى ورقة سياسات نشرها طارق الشرقاوي في مركز أبحاث «تي آر تي» يوم 18 يونيو 2026، تأخذ على الرسالة البابوية إغفالها الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، ولا سيما نظامَي الاستهداف «غوسبل» و«لافندر» اللذين يعتمدهما الجيش الإسرائيلي. ويضيف الكاتب أن نظام الاستهداف الأمريكي «بروجكت مايفن» استُخدم في إيران، وأنه ربما أدى دوراً في ضرب مدرسة ابتدائية، وهي الضربة التي وثّقت منظمة العفو الدولية أنها أصابت مدرسة في مدينة ميناب يوم 28 فبراير 2026 وأودت بحياة 168 شخصاً بينهم أكثر من مئة طفل.
ويرى الكاتب أن هذه الأنظمة ليست نتاجاً عرضياً لـ«ثقافة القوة» المجرّدة التي تشخّصها الرسالة، بل أوضح تجلياتها وأشدها فتكاً، وأن رسالة تدعو إلى «نزع سلاح الذكاء الاصطناعي» لا يسعها السكوت عن حرب تُدار بالخوارزميات وتحصد المدنيين أمام أعين العالم. فهذا الصمت، في نظره، ليس ثغرة علمية فحسب، بل جرح أخلاقي قد يتحول إلى ضرب من «العنف المعرفي»، إذ يحجب أشد تطبيقات الذكاء الاصطناعي فتكاً في زمننا.
ما بعد «الحرب العادلة»: سؤال تجديد فقه الجهاديعدّ عمر إعلان الرسالة أن نظرية الحرب العادلة صارت متجاوزة، وأن القتال باسم الدين اعتداء على الدين نفسه (الفقرات 220-225)، أشجع ما فيها. ويرى أن هذا التحدي يعني التقليد الإسلامي بالقدر نفسه أو أكثر، لأن فقه الجهاد الكلاسيكي تشكّل في سياق الصراع بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية، ويحتاج اليوم إلى تجديد في ضوء القدرة التدميرية العمياء للحروب المعاصرة. ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، معتبراً أن الحرب الخوارزمية التي تُدرج الضحايا المدنيين في معادلات الاستهداف انتهاك صريح لحرمة النفس. ويلاحظ أن قلّة من العلماء المسلمين اشتغلت جدياً على لاهوت إسلامي للاعنف، منهم مولانا وحيد الدين خان والشيخ جودت سعيد وتشايوات ساتا-أناند ورابعة تيري هاريس، داعياً إلى إيلاء إسهاماتهم اهتماماً أكبر.
الكرامة والقلب: ما لا تملكه الآلةتؤكد الرسالة أن كرامة الإنسان لا تُختزل ولا يجوز تفويضها للخوارزميات (الفقرات 100-120)، وهو ما يقرنه عمر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، فالكرامة في التصور الإسلامي ليست مشروطة بالنفع أو الإنتاجية، بل مؤسَّسة على فعل الخلق: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر: 29). ومن ثمّ فإن كل تقنية تحوّل البشر إلى نقاط بيانات في خوارزمية استهداف تناقض جذرياً التصور الإسلامي للإنسان.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق دراسة محمد جمال عبد النور المنشورة سنة 2025 في مجلة «Religions»، التي تنطلق من «إحياء علوم الدين» للغزالي لتلاحظ أن التعامل الإسلامي مع الذكاء الاصطناعي انشغل بأبعاده المعرفية والفقهية وأهمل «القلب» بوصفه مركز الإدراك والأخلاق والروح في الإنسان: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: 179). فالآلة قد تحاكي بعض وظائف العقل، لكنها عاجزة وجودياً عن فاعلية أخلاقية حقيقية لأنها بلا قلب. ويضيف عمر أن قاعدة «سدّ الذرائع» تمنح مسوّغاً إسلامياً للتنظيم الاستباقي الذي تطالب به الرسالة. وقد تناولت سُبْحة جانباً من هذا الجدل في مقال عن وهم الوعي في الذكاء الاصطناعي.
لكن الكاتب يعود إلى خلاصة سبق أن طرحها: الانخراط الإسلامي المعاصر في قضايا الحرب ما يزال فقهياً وتقنياً في الغالب، ويفتقر إلى مقاربة نبوية متمحورة حول العدل ومنفتحة على الأديان الأخرى، تربط سؤال الذكاء الاصطناعي ببنى السلطة والحرب وتبعية الجنوب العالمي للهيمنة التقنية الغربية. ويستشهد بما لاحظه هشام جعفر من أن النماذج التأسيسية المدرّبة غالباً على بيانات غربية علمانية تهمّش المنظورات الإسلامية، وتربط الهوية المسلمة بالإرهاب في نسبة معتبرة من الحالات.
في مقابل ثقافة القوة، تقترح الرسالة «حضارة المحبة» القائمة على العدل والحوار والتضامن مع ضحايا التاريخ (الفقرات 245-265)، وهو ما يقاربه عمر بمفهوم «السلام العادل» كما يطرحه دارسو السلام: ليس غياب الحرب فحسب، بل حضور العدل والكرامة والتوزيع المنصف لخيرات الأرض. ويرى أن مفاهيم القسط والرحمة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، والاستخلاف، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: 165)، توفّر أساساً لحوكمة مسؤولة للتقنية تعجز عنه الأطر الأخلاقية العلمانية الخالصة.
ويشير إلى أن شيخ الأزهر أحمد الطيب والفاتيكان أعلنا، خلال لقاء «تجرّأ على السلام» الذي نظمته جماعة سانت إيجيديو في روما في أكتوبر 2025، عزمهما إعداد ميثاق مشترك لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، آملاً ألا يظل وثيقة شراكة بين مؤسسات دينية، بل أن يتحول إلى حوار حيّ يصل إلى الباحثين والمجتمعات والأكثر تضرراً: الطبقات العاملة والمهجّرين ومن تصنّفهم الخوارزميات وضحايا الحروب المؤتمتة.
قصور وتحدٍّيعود الكاتب إلى القصور الذي يراه جوهرياً: أن تحذّر الرسالة من المخاطر المجرّدة والمستقبلية للذكاء الاصطناعي شيء، وأن تسمّي الأنظمة المنشورة فعلاً لاختيار الأهداف البشرية وتتبّعها وتدميرها شيء آخر. فقاعدة سدّ الذرائع، في نظره، تقتضي البدء بأشد التطبيقات الراهنة فتكاً لا بالأضرار المحتملة، والسكوت عن القتل المؤتمت مع التحذير من أضرار افتراضية قلبٌ لترتيب الأولويات الأخلاقية. ويرى أن مواقف البابا العلنية ضد الحروب الظالمة تجعل هذا الإغفال أكثر لفتاً للنظر.
أما التحدي فيوجّهه إلى العلماء والمؤسسات الإسلامية التي تقوم علاقتها بالدولة على الرعاية أو الخشية أو الطاعة، متسائلاً بلسان الرسالة: لمصلحة من يكون صمتنا؟ ومع إقراره، نقلاً عن هشام جعفر، بأن الإسلام السني لا يملك مرجعية مركزية تعادل السلطة التعليمية البابوية، يرى أن هذا التنوع البنيوي لا ينبغي أن يُنتج صمتاً أخلاقياً.
القسط والرحمة والكرامة والاستخلافرغم ملاحظاته النقدية، يصف عمر الرسالة بأنها وثيقة استثنائية، جاءت في موسم الحج وفي ذكرى «Rerum Novarum»، لتذكّر بأن تحديات العصر الأخلاقية لا تقف عند حدود الأديان. ويختم بأن المطلوب ليس تنظيم الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ضمان أن يخدم العدل لا الهيمنة، والتضامن لا الإقصاء، وازدهار الإنسان لا الربح، وهو ما يترجمه بالمصطلح الإسلامي إلى التزام عالمي بالقسط والرحمة والكرامة والاستخلاف، داعياً المسلمين والكاثوليك وكل أصحاب الضمير إلى العمل معاً لبناء مستقبل أخلاقي يليق بإنسانيتنا المشتركة.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98460764/rashied-oma...