رحلت الأكاديمية المصرية هالة فؤاد، أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، بعد مسار بحثي امتد عقوداً في الفلسفة الإسلامية والتصوف وقراءة التراث في ضوء إشكالات الحاضر. وجاء رحيلها في القاهرة مساء الاثنين، بعد حضور لافت في الأوساط الجامعية والندوات الفكرية العربية، حيث عُرفت باشتغالها العميق على النصوص التراثية وإعادة مقاربتها بعيداً عن التكرار المدرسي.
تكوّن مشروع هالة فؤاد الأكاديمي حول الفلسفة الإسلامية والتصوف، مع عناية خاصة بأعمال أبي حيّان التوحيدي وابن عربي، ضمن محاولة لقراءة هذا الإرث في ضوء أسئلة التنوير والوعي والهوية الحديثة. ونالت درجة الدكتوراه عام 1995 عن أطروحة حملت عنوان «عالم المثال بين الغزالي والسهروردي وابن عربي»، لتضع منذ بداياتها البحثية التصوف ومفاهيمه في قلب اشتغالها النظري وتحليلها لمفاتيح المخيال الفلسفي في الثقافة الإسلامية.
قدّمت فؤاد عدداً من المؤلفات التي تحولت إلى مراجع لدى المهتمين بالعلاقة بين المثقف والسلطة وقراءة التراث وآفاق التنوير. في كتابها «المثقف بين السلطة والعامة: نموذج القرن الرابع الهجري – أبو حيّان التوحيدي» تناولت صراع المثقف في العصر العباسي، متخذة من التوحيدي نموذجاً لشخصية محاصرة بين استبداد الحكم وتجاهل الجمهور، مع تفكيك تعقيدات الروابط بين الفكر والسياسة ومواقع المعرفة في بنية المجتمع.
وفي كتاب «التوحيدي: رحلة الوعي من الغفلة إلى الانتباه» سعت إلى تتبع المفاهيم الفلسفية لدى أبي حيّان حول اليقظة واللاوعي، وربطها بمقاربات نفسية معاصرة، في محاولة لبناء جسر بين التراث وأسئلة العلوم الإنسانية الحديثة. وقد نال هذا العمل جائزة ساويرس الثقافية في فرع النقد الأدبي عام 2017، الأمر الذي كرّس حضورها خارج الدوائر المتخصصة الضيقة وعرّف بقراءتها للتراث لدى جمهور أوسع من القراء والمتابعين.
امتد اهتمام هالة فؤاد إلى الأدب العربي الحديث عبر كتاب «قراءات صوفية في أدب نجيب محفوظ»، حيث عملت على قراءة نماذج من تجربة محفوظ من داخل منظومة مفهومية مستمدة من الفكر الصوفي. وسمح لها هذا المسار بربط التحليل الأدبي بالرؤية الفلسفية، وبإبراز إمكان استثمار مفاهيم التصوف في تفكيك البنية الرمزية لشخصيات ورؤى العالم في الرواية العربية المعاصرة.
لم يقتصر حضورها على قاعات الجامعة ومشاريع النشر الأكاديمي، إذ شاركت في عدد من الندوات الفكرية العربية، وأسهمت بانتظام في الكتابة النقدية في مجلات تعنى بالفكر والأدب، مع متابعة لجدل التنوير وعلاقة المثقف بمصادر السلطة الرمزية والمادية. كما قدّمت محاضرات حول التصوف ومساراته وأعلامه في مراكز ثقافية عربية مختلفة، مع تركيز على توضيح تطور المفاهيم الصوفية وكيفية انتقالها بين الحقول المعرفية القديمة والمعاصرة.
واستمر حضورها في الحياة الثقافية المصرية من خلال مبادرة ذات دلالة رمزية أعلنتها عام 2022 بتحويل بيت زوجها الراحل جابر عصفور إلى مكتبة عامة، في خطوة حملت إشارة عملية إلى مكانة المعرفة في تصورها لدور النخبة الثقافية. مثّل هذا القرار امتداداً لفكرتها عن المثقف ومسؤوليته في إتاحة المعرفة وتحريرها من الحواجز، كما انسجم مع مسارها في ربط العمل الأكاديمي بالمجال العام وفتح مساحات للتعلم خارج المؤسسات الرسمية.
مع رحيل هالة فؤاد، تخسر الساحة الفكرية المصرية باحثة انشغلت طويلاً بتركيب علاقة معقدة بين التراث والتنوير، وبمراجعة صورة المثقف في التاريخ الإسلامي وفي الحاضر معاً. إلا أن المؤلفات التي تركتها، إلى جانب أثرها في طلابها وقرائها، تمنح تجربتها قابلية للاستمرار في النقاشات الجارية حول إعادة قراءة التراث وموقع الفكر الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95433843/rhyl-hal-fo...