Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

رحيل سيد نقيب العطاس.. منظّر إسلامية المعرفة الهادئ


Rédigé le الثلاثاء 17 مارس 2026 à 14:37 | Lu 0 commentaire(s)



غاب الفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس عن عالم الأفكار في الثامن من مارس 2026 في كوالالمبور عن عمر ناهز الرابعة والتسعين، بعد مسيرة فكرية امتدت لأكثر من ستة عقود، ارتبط اسمه خلالها بما عُرف بـ«إسلامية المعرفة» وإعادة بناء التصور المعرفي لدى المسلم المعاصر في مواجهة الحداثة الغربية. وقد نعته أوساط علمية وسياسية ودينية في ماليزيا وخارجها، معتبرة أن رحيله يمثل نهاية مرحلة في تاريخ التفكير الفلسفي الإسلامي الحديث، وإن ظلّ حضوره المؤسسي أقل من حجم مشروعه النظري.



وُلد العطاس عام 1931 في جزيرة جاوة لعائلة ذات جذور حضرمية عربية، قبل أن يستقر في ماليزيا حيث تابع تعليمه وتدرج في مسارات متعددة، بدأت بالخدمة العسكرية ضابطا متدرّبا في الجيش الماليزي، ثم الانتقال إلى الحياة الأكاديمية في جامعة مالايا بقسم الدراسات الملايوية منتصف الستينيات. هذا المسار المزدوج بين الانضباط العسكري والتكوين المعرفي أسهم في تشكيل شخصيته الفكرية التي جمعت بين صرامة البناء المفهومي وحس جمالي واضح في اللغة والعمارة والخط.

برز اسم العطاس بقوة مع تأسيس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (إستاك) في كوالالمبور، الذي أراده مؤسسة بحثية وتعليمية تعكس تصوره لوحدة المعرفة والدين والفن في فضاء واحد، فصمّم المبنى وتفاصيله المعمارية بعناية ليكون تجسيدا حسيا لفكرته عن «الحضارة الإسلامية» ككل متكامل. وقد تحوّل المعهد خلال سنواته الأولى إلى وجهة للنقاشات المتقدمة حول قضايا المعرفة والهوية والحداثة في العالم الإسلامي، قبل أن تتعرض تجربته لاحقا لاختبارات سياسية ومؤسسية حدّت من امتدادها.

يتموضع مشروع العطاس الفكري في قلب سؤال «أزمة المعرفة» في المجتمعات الإسلامية، إذ رأى أن الخلل لا يكمن أساسا في البنى السياسية أو الاقتصادية، بقدر ما يعود إلى اضطراب في النظام المعرفي نفسه، وما يرافقه من «فقدان للأدب» بوصفه مفهوما يتجاوز السلوك الأخلاقي إلى ترتيب الوجود والعلاقة بين الإنسان والحقيقة. انطلق من هذا التشخيص ليقترح صياغة جديدة لمفهوم «إسلامية المعرفة»، ليست شعارا أيديولوجيا أو برنامجا سياسيا، بل مشروعا فلسفيا يرمي إلى إعادة ترتيب المفاهيم الأساسية، ونقد الأسس الفلسفية للعلم الحديث حين يُفصل عن البعد الغيبي والمرجعية الوحيية.

طرح العطاس مقاربتَه في مرحلتين مترابطتين؛ أولاهما «التنزيه» عبر كشف المصطلحات والمفاهيم الوافدة التي استقرت في اللغة والتصور دون تمحيص، ثم «إعادة البناء» من خلال إحياء مفردات ومعاني رآها أصيلة في التراث الإسلامي وإعادة توظيفها في الحقول المعرفية المعاصرة. وقد تجلّى هذا العمل في عنايته الخاصة باللغة، سواء في تنظيره لمفهوم «الأدب» أو في مقارباته للتصوف والشعر والفلسفة السياسية عند بعض أعلام العالم الملايوي مثل حمزة فنصوري، الذي خصه بدراسة مطولة أعاد فيها قراءة التجربة الصوفية في سياقها التاريخي والفكري.

ترك العطاس إرثا علميا يقارب ثمانية وعشرين عملا بين كتب ورسائل ودراسات، كتب بعضها بالملايوية وبعضها بالإنجليزية، وتنوعت موضوعاتها بين قضايا التصوف وفلسفة العلم ومسائل التربية واللغة والهوية الحضارية. وأسهمت هذه الأعمال في تشكيل مرجعية مبكرة للحركة التي تبنت لاحقا شعار «أسلمة المعرفة»، وإن اختلفت مقاربات تيارات عديدة عن تصوره الأصلي الذي ظل أقرب إلى عمل فلسفي نقدي منه إلى مشروع حركي تنظيمي.

على الرغم من أن تأثيره الفكري امتد إلى باحثين ومؤسسات في العالمين العربي والإسلامي، فإن موقعه داخل البنى الرسمية ظل محدودا نسبيا، ما جعل صورته أقرب إلى «الفيلسوف المنعزل مؤسسيا» كما يصفه بعض الدارسين، في مقابل تقدير شخصي واسع داخل دوائر النخبة العلمية والدينية. وبعد إعلان وفاته في الثامن من مارس/آذار 2026، شيّع جثمانه إلى مقبرة بوكيت كيارا الإسلامية في كوالالمبور في جنازة شارك فيها مسؤولون وعلماء وشخصيات أكاديمية، لتُطوى بذلك سيرة أحد أبرز الأسماء التي انشغلت بإعادة تعريف موقع المعرفة في بناء الحضارة الإسلامية المعاصرة.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95406649/rhyl-syd-nk...



Dans la même rubrique :
< >

Rss
Mobile