رحل المفكر والفيلسوف اليهودي أرمون أبكاسيس، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الحوار بين اليهودية والمسيحية في فرنسا خلال العقود الأخيرة، عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، بعد مسار فكري وتعليمي طويل امتد من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط إلى جامعات فرنسا ومؤسساتها الدينية والثقافية. مثّل هذا المسار، بما حمله من انتقال جغرافي وثقافي، تجربة كاملة لجيل من المثقفين اليهود القادمين من شمال أفريقيا الذين ساهموا في إعادة تشكيل حضور اليهودية في الفضاء الفكري الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.
وُلد أبكاسيس في الدار البيضاء في أبريل 1933 في بيئة يهودية سفاردية متجذرة في المغرب، حيث تداخلت المرجعية الدينية مع الحياة الاجتماعية واللغوية المتعددة. وقد شكّل هذا الانتماء الأول رصيداً هوياتياً ظل واضحاً في كتاباته وتأملاته حول العلاقة بين الذاكرة والهوية والنص المقدّس، كما منح تجربته موقعاً خاصاً داخل مشهد الفكر اليهودي الناطق بالفرنسية. مع انتقاله إلى فرنسا، التحق بما عُرف بمدرسة الأطر في أورساي، وهي مؤسسة تكوينية اهتمت بالثقافة والهوية اليهودية وأسهمت في تجديد الحياة الفكرية والدينية لليهود الفرنسيين بعد الكارثة الأوروبية. هناك تعرّف على دروس الحاخام والمفكر ليون أشكنازي، المعروف باسم “منيتو”، الذي طبع جيلاً كاملاً من المثقفين اليهود بتقاطع قراءته للفلسفة المعاصرة مع التقاليد التلمودية.
مع مرور السنوات، أصبح أبكاسيس واحداً من أبرز المفسرين المعاصرين للفكر اليهودي في الفضاء الفرنسي، مستنداً إلى تكوين مزدوج بين الفلسفة الغربية والدراسة النصية للتوراة والتلمود. اشتغل بالتدريس والبحث، ونسج حضوره من خلال المحاضرات والندوات والدروس العامة، ما جعله مرجعاً لشرائح واسعة من الجمهور المهتم بالفكر الديني، سواء داخل الأوساط اليهودية أو خارجها. اعتمد في أسلوبه على تقديم النصوص التقليدية في صيغة يمكن أن يخاطب بها جمهوراً حداثياً، مع الحرص على إبراز أبعادها الأخلاقية والإنسانية، دون عزلها عن تعقيدات التاريخ والواقع الاجتماعي.
إلى جانب عمله التعليمي، ارتبط اسم أبكاسيس بصورة خاصة بمجال الحوار بين اليهودية والمسيحية في فرنسا، حيث شارك في لقاءات ومبادرات فكرية وروحية هدفت إلى إعادة بناء علاقات قائمة على المعرفة المتبادلة بدل الصور النمطية المتراكمة عبر قرون من التوتر الديني. مثلت تجربته مثالاً على محاولة بلورة لغة مشتركة بين تقليدين دينيين يتقاسمان النصوص التوراتية ويتباينان في القراءة والتأويل، مع السعي إلى تجنّب تحويل الاختلاف العقدي إلى قطيعة ثقافية. أسهم هذا الانخراط في إغناء النقاشات حول مكانة الدين في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، وحول كيفية تعايش الذاكرة اليهودية مع الأغلبية المسيحية ضمن أطر قانونية وسياسية علمانية.
تميّز مسار أبكاسيس أيضاً بقدرته على الجمع بين الاشتغال الفلسفي الصارم والممارسة التربوية اليومية، حيث سعى إلى جعل التلمود والكتابات اليهودية الكبرى مادة للتفكير العام وليس حكراً على الدوائر المتخصصة. وقد ساعده في ذلك انفتاحه على الأدوات التحليلية للفلسفة الحديثة، من الوجودية إلى herméneutique، ما أتاح له قراءة النصوص الدينية بأسئلة العصر دون قطع صلته بالتراث الكلاسيكي. هكذا تبلورت صورته كـ“معلّم تلمودي” بالمعنى العلمي والتربوي في آن واحد، وهو وصف لازمته في كتابات كثير من تلامذته وقرّائه الذين رأوا فيه مرشداً إلى فهم مختلف للنصوص المؤسسة لليهودية.
يحمل رحيل أبكاسيس بعداً رمزياً يتجاوز شخصه إلى جيل كامل من المثقفين الذين تشكّلت هويتهم على تقاطع دوائر مغاربية وفرنسية ويهودية، وأسهموا في تعميق حضور الفكر الديني في المجال العمومي دون تحويله إلى خطاب صدامي. كما يعيد طرح أسئلة الاستمرارية داخل تقاليد التعليم الديني اليهودي في أوروبا، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالعلمانية المتشددة من جهة، وبعودة الهويات الدينية المتصلبة من جهة أخرى. في هذا المناخ، يبدو الإرث الفكري لأمثال أبكاسيس رصيداً مرجعياً لمشاريع تسعى إلى بناء قراءة للنصوص الدينية تستوعب التعدد وتقبل الحوار ولا تنسحب من النقاش العمومي.
بهذا المعنى، لا يقتصر تقييم أثره على رصد عناوين كتبه أو المناصب التي شغلها، بل يتعداه إلى ما تركه من طرق في النظر إلى العلاقة بين النص والتاريخ، وبين الهوية الدينية والانتماء الوطني، وبين الذاكرة الجماعية وإمكان التعايش مع الآخر المختلف. فالمدرسة التي انتسب إليها فكرياً، والقائمة على الجمع بين دراسة النصوص الكلاسيكية والأدوات الفلسفية الحديثة، تظل حاضرة في أجيال جديدة من الباحثين الذين يستندون إلى هذا الإرث في معالجة قضايا المواطنة، والعلمانية، والعلاقة بين الأديان في الفضاء الأوروبي. ومع رحيله، يبقى هذا المسار شهادة على إمكانية أن يتحول المتخصص في النص الديني إلى فاعل فكري في المجال العام، دون أن يذوب في منطق الصراع الهوياتي أو الدعاية الإيديولوجية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96322491/rhyl-alfyls...