رحلة بودربة بين غات والاستعمار الفرنسي
تكشف دراسة للمؤرخ فرانسوا دوماسي عن رحلة إسماعيل بودربة إلى غات، بين أغسطس وديسمبر 1858، باعتبارها محطة دالة في تاريخ المعرفة الاستعمارية الفرنسية بالصحراء وفي مسار وسيط جزائري جمع بين انتماءات متداخلة. فقد انطلق بودربة، المترجم في المكتب العربي بلاغواط، من المدينة في الأول من أغسطس، ووصل إلى غات في 26 سبتمبر بعد عبور نحو 1395 كيلومترا في الصحراء، قبل أن يغادر الواحة في الرابع من أكتوبر ويعود في الأول من ديسمبر. وأنهى تقريره في 25 يناير 1859.
جاءت المهمة في سياق سعي الإدارة الاستعمارية في الجزائر إلى توسيع نفوذها وشبكاتها التجارية جنوبا، في وقت كانت فرنسا تخشى فيه تفوق النفوذ البريطاني في تجارة الصحراء عبر طرابلس. ووفق الدراسة، حملت رحلة بودربة غايات تجارية وسياسية معا، إذ كان مطلوبا منه جمع معلومات تساعد على فتح العلاقات بين تجار الجزائر وغدامس وغات ومناطق السودان، ورصد موازين القوى المحلية والفاعلين القادرين على تأمين طرق القوافل أو عرقلتها.
كان بودربة ابن تاجر جزائري بارز وأم فرنسية من مرسيليا، وقد تلقى تعليمه في فرنسا، بينها الدراسة في ثانوية لويس الكبير بباريس. غير أن وضعه القانوني، باعتباره مسلما وابن أب جزائري، حد من ترقيه في جهاز الترجمة العسكرية، في مرحلة كانت المناصب الرسمية فيها محصورة في المواطنين الفرنسيين. وترى الدراسة أن الرحلة مثلت بالنسبة إليه فرصة لإثبات كفاءته العلمية والمهنية، والسعي إلى اعتراف أوسع داخل الإدارة والدوائر العلمية الفرنسية.
لم تكن الرحلة سهلة. فقد تحرك بودربة بقافلة محدودة تضم في النهاية 12 شخصا و25 جملا محملا بالماء والمؤن، واعتمد بدرجة كبيرة على سي عثمان، أحد شيوخ الطوارق، الذي وفر له الحماية والدليل والترجمة إلى التماشق والوساطة مع السلطات المحلية. كما جرت المهمة في ظروف اتسمت بالجفاف المستمر منذ خمس سنوات، وبالصراعات بين طوارق أزجر والأهقار والشعانبة، وبوجود مخاوف من هجوم محتمل تقوده جماعات مرتبطة بمحمد بن عبد الله.
وسجل بودربة معلومات عن انتشار السنوسية بين غدامس وتوات، وعن مؤسسها محمد بن السنوسي، في وقت كانت المعلومات الفرنسية حول الحركة محدودة ومتناقضة. وتبين الدراسة أن تقريره كان من أوائل الوثائق الفرنسية التي أشارت إلى امتداد الزاوية السنوسية في غدامس، وإن كانت قراءته للحركة محكومة بمنظور الإدارة الاستعمارية ومخاوفها من قيام مقاومة دينية أو سياسية تعطل التوسع الفرنسي في الجنوب.
وعند وصوله إلى غات، واجه بودربة وضعا شديد الهشاشة. فقد قوبل بالعداء من جانب جزء من سكان المدينة، ولم يُسمح له بدخولها، فأقام خارج أسوارها بين خيام الطوارق. واستندت حمايته أساسا إلى إيكهنوخان، أمينوكال طوارق أزجر، وإلى دعم محدود من الحاج أحمد وُل الصادق، أحد أعيان غات. وعكست إقامته التنافس بين القوى المحلية، بما في ذلك أنصار الحاج أمين والتجار والقيادات الطوارقية، إضافة إلى تأثير الشبكات الدينية والتجارية في توجيه العلاقات مع الخارج.
خصص التقرير حيزا واسعا لوصف غات بوصفها مركزا للتبادل بين السودان وتوات وغدامس وفزان ومصر والمغرب وأوروبا. ورصد مرور المنسوجات والأسلحة والسكر والقهوة والورق والنحاس والعطور ومنتجات أخرى، مع ملاحظة حضور قوي للبضائع البريطانية في السوق. كما أشار إلى التجارة القادمة من السودان، التي شملت العاج والذهب والجلود والريش والماشية والحبوب، إلى جانب تجارة الرقيق التي كانت لا تزال تشكل جزءا أساسيا من المبادلات في المنطقة بحسب معطياته.
لم تحقق المهمة هدفها المباشر كاملا، إذ لم يدخل بودربة مدينة غات ولم ينجح في تثبيت علاقات تجارية مع سلطاتها. لكنها أمدت الإدارة الفرنسية بمعلومات عن التجارة الصحراوية والسنوسية ومراكز النفوذ المحلية. كما حول بودربة تقريره إلى أداة للترقي الشخصي، فنشر جزء منه سنة 1859، ثم حصل في العام نفسه على وسام جوقة الشرف والتجنس الفرنسي، قبل أن تتراجع مكانة رحلته لاحقا في الذاكرة التاريخية أمام صعود اسم المستكشف الفرنسي هنري دوفيرييه.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/98...










