بعد مرور مئة يوم على زرع شريحة «إن 1» من شركة نيورالينك في دماغه، نشر المشارك البريطاني جون نوبل رواية مفصلة لتجربته، مقدماً لمحة عملية نادرة عن الكيفية التي تنتقل بها واجهات الدماغ–الحاسوب من المختبرات إلى الحياة اليومية. تشير الشهادة، المتداولة عبر منصات التواصل وتقارير تقنية متخصصة، إلى أن التقنية ما زالت في مرحلة مبكرة تجريبية، لكنها بدأت ترسم ملامح استخدامات راسخة لدى المرضى المصابين بالشلل الحركي.
يُعرّف نوبل نفسه بوصفه عسكرياً سابقاً أُصيب بشلل شبه كامل إثر إصابة في الفقرات العنقية، وهو واحد من عدد محدود من المتطوعين في التجارب البشرية على شريحة «إن 1» التي طورتها الشركة التي أسسها إيلون ماسك عام 2016 بهدف ترجمة الإشارات العصبية إلى أوامر رقمية يمكن للحواسيب قراءتها. ووفقاً لما نُشر عن حالته، خضع نوبل في 11 ديسمبر 2025 لعملية جراحية في أحد المراكز الطبية في لندن، حيث أزال الجراحون قطعة صغيرة من الجمجمة، ثم تولى نظام آلي مخصص زرع 1024 خيطاً بالغ الدقة في قشرة الدماغ الحركية، قبل تثبيت وحدة الشريحة في موضعها بحيث تصبح مندمجة مع عظم الجمجمة. تظهر الصور المرافقة لتدوينته آثار جرح مقوس يغطي جانب الرأس من الخلف إلى الأمام، إضافة إلى لقطات من مرحلة ما بعد الجراحة في غرفة الإنعاش.
تفيد رواية نوبل بأن العملية أُجريت تحت التخدير العام في زمن قصير نسبياً، وأنه غادر المستشفى في اليوم التالي، مع إحساس متدرج بالتحسن خلال الأيام الأولى. يذكر أن الألم كان محدوداً وأن الندبة بدأت تخف بعد أسبوع تقريباً، وهو ما تؤكده صور سطح الجمجمة حيث تبدو آثار التئام تدريجي لصف من الغرز الجراحية. يتقاطع هذا الوصف مع ما سبق أن عرضته الشركة عن خطوات زرع الشريحة، إذ يعتمد الجراحون على روبوت مخصص للتعامل مع الخيوط الرقيقة التي يقل سمكها عن شعرة الإنسان، في محاولة لتقليل احتمال إتلاف النسيج العصبي المحيط.
بعد أسبوعين من الجراحة تقريباً، بدأ الجزء الوظيفي من التجربة. فبحسب ما نُقل عن نوبل، جرى ربط الشريحة بحاسوب «ماك بوك» للمرة الأولى، بمساعدة فريق من مهندسي نيورالينك، وكانت تلك أول مرة يتعامل فيها مع نظام «ماك». اعتمدت الجلسات الأولى على مراحل معايرة متكررة، حيث يراقب النظام أنماط النشاط العصبي أثناء تركيزه على تحريك مؤشر الفأرة أو تنفيذ أمر بسيط، ثم يعيد برمجة الخوارزمية لتفسير تلك الإشارات بدقة أكبر. وبعد دقائق معدودة، تمكن من تحريك المؤشر على الشاشة بمجرد استحضار نية الحركة في دماغه، من دون أي حركة عضلية فعلية.
مع نهاية الأسبوع الثالث، أصبح تنفيذ أوامر أساسية مثل التمرير والنقر وفتح النوافذ والكتابة باستخدام لوحة مفاتيح افتراضية أمراً اعتيادياً، وفق ما تذكره التقارير المتطابقة. اللافت أن نوبل، الذي لم يكن مستخدماً متمرساً لحواسيب «ماك» قبل العملية، يصف تحوله السريع إلى مستوى أقرب إلى «المستخدم المتقدم» من خلال التحكم الذهني وحده، ما يشير إلى قدرة الدماغ على التكيف مع واجهة جديدة حين يتوافر حافز عملي قوي وتكرار مكثف للتجربة. وتشير متابعة التجربة إلى أن جلسات التدريب اليومية، التي يشارك فيها مهندسو الشركة عن بعد، أسهمت في تسريع هذا التكيف عبر تعديل مستمر لخوارزميات قراءة الإشارات.
جانب آخر من رواية نوبل حظي باهتمام واسع يتمثل في استخدام الشريحة للعب «وورلد أوف ووركرافت»، وهي لعبة تقمص أدوار على الإنترنت تتطلب عادة ضغطات معقدة على لوحة المفاتيح والفأرة. تقول التقارير إن نوبل بدأ تجربة اللعب الذهني مع اقتراب اليوم الثمانين من زرع الشريحة، فواجه في البداية صعوبة في تنسيق الأوامر الذهنية المتعددة اللازمة للتحكم بالشخصية داخل اللعبة، غير أن الأداء تحسن مع الوقت مع تعود الدماغ على ربط أنماط معينة من التفكير بحركات محددة على الشاشة. ويصف المشارك الإحساس الناجم عن اللعب من دون لوحة مفاتيح أو فألة بأنه يمنحه شعوراً بالتحرر من القيود الجسدية، إلى درجة أنه أصبح يميل لاستخدام الشريحة بدلاً من الوسائل التقليدية متى كان ذلك ممكناً.
من منظور أوسع، تقدم تجربة نوبل مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها واجهات الدماغ–الحاسوب، في حال نجاحها واستدامتها، إلى أدوات يومية للأشخاص المصابين بالشلل، تسمح لهم بالكتابة والتصفح والعمل وربما الحصول على فرص مهنية عن بعد. فهي تندرج ضمن مسار أوسع بدأ مع مشاركين سابقين مثل نولاند آرباو، الذي نقلت تقارير علمية أنه تمكن من استخدام نسخة مبكرة من شريحة نيورالينك للتحكم في ألعاب مثل الشطرنج و«ماريو كارت» والتفاعل مع محيطه عبر الحاسوب بعد سنوات من محدودية الحركة. ومع أن عدد المشاركين في التجارب ما زال محدوداً والبيانات السريرية طويلة الأمد غير مكتملة، فإن وصف نوبل لحياته بعد مئة يوم مع الشريحة يشير إلى إحساس شخصي بالاستقلالية المتزايدة، إضافة إلى تحسن في المزاج والتركيز بعد تفعيل النظام بشكل كامل.
تبقى هذه النتائج خاضعة بطبيعتها للاختبارات الطبية والتنظيمية المستمرة، خاصة في ما يتعلق بسلامة الزرع على المدى البعيد وإمكانية تحديث العتاد أو استبداله، فضلاً عن أسئلة أخلاقية أوسع حول جمع بيانات الدماغ وحمايتها. إلا أن رواية المشارك البريطاني بعد مئة يوم من التعايش مع الشريحة تضع ملامح ملموسة لما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه فكرة من الخيال العلمي، وتظهر كيف يمكن لواجهة رقمية مزروعة في الدماغ أن تنتقل، في تجربة فرد واحد على الأقل، من كونها نظاماً غريباً ومربكاً في الأيام الأولى إلى أداة اعتيادية يصعب، بحسب تعبيره، تخيل العودة إلى الحياة من دونها.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95602425/rayd-tgrb-...