على خلاف الصورة النمطية المرتبطة بالجثث المتحللة، تكشف الأبحاث الحديثة التي يستعرضها تقرير موقع HistoryFacts عن أن مومياوات مصر القديمة تفوح منها روائح توصف في الغالب بأنها خشبية، حارة، وحلوة بشكل خفيف، أكثر منها نتنة أو متعفنة. هذه النتيجة لا ترتبط بالجسد نفسه بقدر ما تعود إلى المواد العطرية والمعقدة المستخدمة في التحنيط، والتي احتفظت بخصائصها الكيميائية عبر آلاف السنين.
الدراسة التي يستند إليها المقال أُنجزت بشراكة بين باحثين من “يونيفرسيتي كوليدج لندن” والمتحف المصري في القاهرة، حيث جُمعت عينات من الهواء المحبوس داخل توابيت وسراديب تسعة مومياوات تمتد تواريخها من الدولة الحديثة حتى الحقبة الرومانية. استخدم الفريق مزيجاً من التحليل الكيمياوي المتقدم عبر كروماتوغرافيا الغاز مقترنة بمطياف الكتلة، إلى جانب لجنة من متذوقي الروائح المدربين لوصف الانطباع الحسي العام لكل مومياء. هذا الجمع بين “أنف بشري مدرّب” وتقنيات مخبرية متطورة أتاح بناء صورة مزدوجة للرائحة: تركيبها الكيميائي من جهة، وطريقة إدراك البشر لها من جهة أخرى.
أوصاف المشاركين في التجربة مالت إلى ثلاث فئات أساسية: “خشبي”، “حار” و“حلو”، مع إشارات أقل تواتراً إلى روائح تشبه البخور أو شيء متقادم أو زنخ قليلاً. أما على مستوى التقييم الانفعالي لما يسمى “النبرة الحدسية” للرائحة، فقد جاءت الأحكام في المتوسط عند مستوى “مقبول يميل إلى اللطيف”، وهو حكم ملفت إذا أخذنا في الاعتبار أن الأمر يتعلق بأجساد محنطة يعود بعضها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. وبينما سجّل عدد أقل من المتطوعين ملاحظات عن روائح “عفنة” أو “فاسدة”، فإن الطابع الغالب ظل أقرب إلى خليط من الخشب المجفف والتوابل والشموع القديمة.
التحليل الكيميائي للمركبات المتطايرة في الهواء كشف عن وجود جزيئات عضوية مرتبطة بتحلل الدهون الحيوانية المستخدمة في التحنيط، إلى جانب مركبات مثل “نونانال” ذات رائحة توصف بأنها شمعية، دهنية مع لمحات من قشر البرتقال، و“فورفورال” الذي يحمل نكهة حلوة تشبه اللوز والخشب المحمص والخبز. كما رصد العلماء مجموعة من “التربينويدات” مثل ألفا-باينين وليمونين وفيربينون وبورنيول، وهي مركبات عادةً ما تشير إلى حضور زيوت نباتية من مصدر صنوبري أو راتنجي. هذه التركيبة تمنح الهواء المحيط بالمومياء طابعاً أقرب إلى رائحة أخشاب صنوبرية دافئة ممزوجة بتوابل عطرية، بدلاً من رائحة تحلل عضوي حاد.
المصادر التاريخية والكيميائية التي يستعرضها المقال تربط هذه الروائح مباشرة بمواد التحنيط المعروفة في مصر القديمة، والتي شملت راتنجات أشجار مثل الصنوبر والأرز والعرعر والمستكة، إلى جانب صموغ عطرية من المرّ واللبان، فضلاً عن دهون حيوانية وشموع ومواد نباتية عطرية أخرى من أعشاب وتوابل وزهور. هذه المكونات كانت تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي تحفظ الجسد من خلال خصائصها المضادة للميكروبات، وتمنحه في الوقت نفسه هالة عطرية ارتبطت بطقوس انتقال الروح إلى العالم الآخر. وبفعل استقرار بعض هذه المركبات وامتزاجها مع الكتان الملفوف حول الجسد ومع الأخشاب المحيطة في التابوت، استمرت في إطلاق روائح متطايرة حتى اليوم، وإن كانت أقل كثافة بكثير مما كانت عليه في زمن الدفن الأول.
يذكر المقال أن جانباً من الروائح المكتشفة يعود أيضاً إلى مواد حديثة نسبياً، مثل الزيوت النباتية التي استُخدمت في مراحل لاحقة لصيانة اللفائف أو أسطح التوابيت، إضافة إلى مبيدات حشرية صناعية وظفت في القرن العشرين لحماية القطع الأثرية من التلف. التحليل الكيميائي تمكن من الفصل بين المركبات العائدة إلى حقبة التحنيط وتلك الناتجة عن عمليات حفظ حديثة، ما أضاء على تعقيد “بصمة الرائحة” لأي مومياء تعرضت لأكثر من تدخل عبر الزمن. هذا التمييز يفتح أمام الباحثين مجالاً لتطوير أدوات رصد غير تدميرية لمراقبة الحالة الحفظية للمومياوات داخل المتاحف، استناداً إلى التطور في تركيبة الروائح المتطايرة مع مرور الوقت.
في خطوة إضافية، تعاون بعض الباحثين مع صانعي عطور لإعادة تركيب ما أطلقوا عليه “رائحة الأبدية”، وهي محاولة لعكس مزيج الراتنجات والزيوت الذي استُخدم في تحضير جسد سيدة مصرية من عصر الدولة الحديثة بناءً على تحليلات كيميائية مشابهة. النتيجة كانت عبيراً طغت عليه نفحات صنوبرية راتنجية مع لمسات من القطران والعسل والحمضيات، وجرى عرضه للجمهور في معارض مرتبطة بالتاريخ المصري القديم، ليختبر الزوار أحد أبعاد العالم الجنائزي الذي لم يكن متاحاً لهم من قبل. هذه التجارب تندرج ضمن حقل متنامٍ في الدراسات الحسية للتاريخ، يهدف إلى استعادة روائح الماضي وإدماجها في السرد المتحفي، جنباً إلى جنب مع الصورة والنص والصوت.
المقال يشير كذلك إلى أن تقنيات تحليل الهواء المحيط بالمومياوات قد تساعد أمناء المتاحف على التنبؤ بالمراحل الأولى من تدهور المواد العضوية، لأن بعض المركبات المتطايرة يمكن أن تعمل كمؤشرات مبكرة لبدء تحلل الدهون أو الأقمشة. بهذه الطريقة، تصبح “رائحة المومياء” أداة لحماية الأثر ذاته، لا مجرد موضوع فضول علمي أو شعبي. وعلى مستوى أوسع، تقدم هذه الأبحاث مثالاً على كيف يمكن لتقاطع علوم الكيمياء والتحليل الحسي أن يضيف طبقة جديدة إلى فهم الطقوس الجنائزية المصرية، ليس عبر النصوص والنقوش وحدها، بل أيضاً عبر ما بقي من آثار عطرية في فضاء المقابر والمتاحف المعاصرة.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96820526/-raihat-mum...