انتقدت المؤرخة والسياسية الفرنسية إستير بنباسا الجدل الذي أُثير في فرنسا حول الحجاب وما يُعرف بالموضة المحتشمة، معتبرة أن تحويل خيارات اللباس النسائي إلى قضية سياسية يساهم في تغذية صور نمطية عن المسلمات ويغفل أشكالاً أخرى من الضغط الاجتماعي المفروض على النساء.
وجاء موقف بنباسا في سياق تصريحات أدلت بها وزيرة الأسرة والطفولة وحقوق المرأة آنذاك، لورانس روسينول، بشأن إطلاق علامات تجارية كبرى مجموعات أزياء موجهة إلى نساء يفضلن اللباس المحتشم. وترى بنباسا أن توصيف هذه السوق بأنها موضة إسلامية ليس دقيقاً، لأن مفهوم الاحتشام لا يقتصر على المسلمات، ولأن دوافع اختيار هذه الملابس قد تكون دينية أو شخصية أو مرتبطة بالهوية.
وتقول إن إعطاء هذه المبادرات التجارية بعداً سياسياً جاء في مناخ أوروبي اتسم بصدمة الاعتداءات الإرهابية وبانتشار الخلط بين المسلمين والإرهاب. وبحسب المقال، فإن إدخال النساء المسلمات في هذا النوع من السجال يفاقم شعور قطاعات منهن بأنهن موضع اتهام دائم، بدلاً من التعامل معهن بوصفهن مواطنات لهن خيارات فردية وتنوع اجتماعي وثقافي.
وترفض بنباسا قياس تحرر المرأة بطول التنورة أو بمقدار ما تكشفه من جسدها، معتبرة أن هذا المعيار يختزل مسألة معقدة في رمز ظاهري واحد. وتلفت إلى أن أنماط الموضة السائدة في المجتمعات الغربية تفرض بدورها نموذجاً جسدياً ومعايير جمالية قد تتحول إلى مصدر ضغط على النساء، من خلال تمجيد النحافة الشديدة ومقاييس الإغراء والملابس التي تصمم في كثير من الأحيان وفق تصورات سوقية يهيمن عليها الرجال.
وتربط الكاتبة هذا الضغط بممارسات قد تؤثر في صحة النساء وحياتهن، مثل الحميات القاسية والعمليات التجميلية والاضطرابات المرتبطة بصورة الجسد. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن افتراض تحرر المرأة تلقائياً لمجرد التزامها بلباس قصير أو مثير لا يقل تبسيطاً عن افتراض خضوع كل من ترتدي الحجاب.
وتقر بنباسا بوجود حالات قد يرتبط فيها ارتداء الحجاب برقابة اجتماعية أو إكراه، لكنها تشدد على ضرورة التمييز بين هذه الحالات وبين النساء اللواتي يخترن هذا اللباس بإرادتهن. كما تعترض على تشبيهات استخدمتها الوزيرة في حديثها عن نساء يدافعن عن الحجاب، وترى أنها تجاوزت حدود النقاش المقبول، خصوصاً حين استدعت تاريخ العبودية ومصطلحات ذات حمولة عنصرية.
وفي ما يتعلق بالموضة المحتشمة، تشير بنباسا إلى أن الشركات التي تدخل هذا المجال تتحرك أساساً بدافع تجاري واستجابة لطلب قائم في السوق. وتضيف أن هذه المنتجات قد تهم أيضاً نساء من طوائف أخرى، ومن بينهن بعض اليهوديات الأرثوذكسيات اللواتي يلتزمن بدورهن قواعد خاصة في اللباس. وترى أن قانون 1905 المتعلق بالفصل بين الكنائس والدولة لا يمنع الأفراد من اتباع رموز أو قواعد لباس مرتبطة بمعتقداتهم أو باختياراتهم الشخصية، ما دامت لا تخالف القانون.
كما تنتقد الكاتبة ما تصفه بانتقائية جزء من الخطاب النسوي عند تناول الحجاب، إذ يركز على النساء المسلمات من دون إيلاء اهتمام مماثل لاختيارات نساء متدينات في جماعات أخرى. وتخلص إلى أن حملات المقاطعة والجدالات العامة حول هذه الملابس قد تمنح العلامات التجارية دعاية إضافية أكثر مما تحد من حضورها، فيما يبقى النقاش الأهم متعلقاً بضمان حرية النساء في اتخاذ قراراتهن بشأن أجسادهن وملابسهن بعيداً عن الوصم والتعميم.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98197100/ray-alhgab-...