ذكاء اصطناعي يغيّر جوهر المهنة الصحفية


Rédigé le السبت 4 أبريل 2026 à 14:08 | Lu 0 commentaire(s)



تتسارع وتيرة الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار الغربية، حيث بات عدد المقالات المنتجة آلياً يتفوّق منذ نهاية عام 2024 على تلك التي يكتبها الصحفيون البشر، وفق بيانات وكالة Graphite. ولم يعد استخدام هذه الأدوات موضوعاً يثير التحفظ، بعدما أعلن صحفي في مجلة Fortune أنه أنجز 600 مقالة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه لا يعدّ الأمر استثناءً بل اتجاهاً متنامياً. وقد أكد ستة صحفيين آخرين تحدثوا إلى مجلة Wired أن الحدود السابقة بين الإنسان والآلة في إنتاج النصوص باتت شبه منزوعة.  



في أوساط التحرير، تُقدَّم التقنية على أنها فرصة لتخفيف الأعباء اليومية، إذ تساعد على تجاوز الخوف من الصفحة البيضاء، وإعادة الصياغة، وتنظيم الأفكار بسرعة. وفي هذا السياق، ترى خبيرة الذكاء الاصطناعي في وكالة Associated Press، إيمي رينهارت، أن كثيراً من رؤساء التحرير يفضّلون النصوص الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لأنها تجمع بين سرعة الصياغة ودقّتها، مشيرة إلى أن مهارتي الكتابة والتحقيق نادراً ما تجتمعان لدى شخص واحد.

هذا التحوّل ينسف الصورة التقليدية للصحفي بوصفه “كاتباً”، فالباحث في شؤون الإعلام في جامعة أكسفورد فِليكس سايمون يعتبر أن الإصرار على الكتابة اليدوية يعكس تمسكاً بهوية مهنية جامدة. ويذكّر بأن تاريخ الصحافة شهد بالفعل ظهور فرق التحرير المعروفة باسم rewrite desks التي كانت تتولى تحويل المادة الخام إلى نصوص جاهزة للنشر. غير أن اختصار المراحل اليوم عبر الخوارزميات قد يُغري المؤسسات بتقليص عدد موظفيها أو بتكثيف إنتاج محتوى سريع قليل القيمة لتغذية خوارزميات الانتشار. ويحذّر سايمون من أنّ تحويل المعلومة إلى سلعة قابلة للاستبدال ليس ظاهرة جديدة، لكن استنساخ النصوص عبر الذكاء الاصطناعي يفاقمها، إذ يسهل إنتاج مواد متشابهة ومنخفضة التكلفة بوتيرة غير مسبوقة.

يتجاوز تأثير هذه الأدوات حدود الإنتاج ليطال الصحفي نفسه، الذي يفقد تدريجياً إحدى أهم مراحل التفكير حين يتخلى عن الكتابة لصالح الآلة. فالكتابة ليست مجرد نقل لأفكار مكتملة، بل هي العملية التي تتكوّن فيها بنية التفكير ذاتها. ويرى أساتذة في مدارس الصحافة الفرنسية أن الطلاب الجدد أقل قدرة على بناء القصص الميدانية وتحليل المعطيات حين يعتمدون بافراط على الأدوات التلقائية. فحتى نسخ مقابلة صوتية يدوياً قد يتيح للصحفي ملاحظة التناقضات والنقاط الغائبة، بينما تؤدي الأتمتة الكاملة إلى إلغاء هذه اللحظات العقلية الخلّاقة.

وتحذّر دراسة حديثة لـ*Wharton School* نقلها الباحث إيزرا إيمن من أنّ الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البنية المعرفية للمستخدمين. فبحسب تجربة شملت 1,372 مشاركاً وأكثر من 10,000 تمرين، أظهرت النتائج أن أداء الأفراد يرتفع عندما يكون النظام صائباً، لكنه يهبط إلى ما دون المستوى البشري عند ارتكابه الأخطاء، لأن الدماغ يميل إلى قبول الإجابة “المقنعة” من دون تمحيص. ويسمّي الباحثون هذه الظاهرة “الاستسلام الإدراكي”، إذ يبدأ المستخدم في التخلي عن سلطته الحكمية لصالح سلاسة الاستجابة الآلية.

يؤكد إيمن أن وجود الإنسان في الحلقة لا يكفي لضمان الرقابة، مشيراً إلى حادثة مارس 2026 حين أوقف صحفي في مجموعة Mediahuis بعد أن أقرّ بنشر اقتباسات زائفة وُلدت بواسطة الذكاء الاصطناعي دون تحقق. واعترف بأنه وقع في فخ النصوص المقنِعة التي تجعل التثبت يبدو زائداً عن الحاجة. وقائع مماثلة ظهرت في مؤسسات مثل Wired و*Business Insider* و*The Chicago Sun-Times* و*Ars Technica*، ما يعكس هشاشة الضوابط المهنية أمام الإغراء التقني.

إزاء هذا التراجع المعرفي، تدعو دراسات عدة إلى إعادة “الاحتكاك” في مسار العمل الصحفي، أي إدخال مقدار من الجهد الواعي في مواجهة سهولة الأتمتة. فكما تضمر العضلات من دون تمرين، تضعف القدرات التحليلية حين تتخلى عن التفكير لصالح المساعدات الذكية. وتقترح بعض الأبحاث تصميماً جديداً للأنظمة يجعلها تشجع التفكير بدلاً من استبداله، عبر أساليب مثل طرح سؤال للمستخدم قبل تقديم الإجابة، أو مطالبته بتقييم النتيجة مبدئياً قبل اعتمادها. في زمن يغمره سيل من نصوص متشابهة، قد تتحول الكتابة مجدداً إلى ممارسة فكرية تقاوم الانصياع، واستعادة السيطرة على الكلمة إلى فعل يحرّر العقل بدل أن يُعفيه من الجهد. 




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95830518/thkaaa-ast...


: في نفس القسم