رغم الهجمات التي طالته عند صدوره، يُنظر اليوم إلى "دوغما" باعتباره عملاً ذكيًا يختبر الإيمان بروح ساخرة ويطرح أسئلة جادة بلا تعسّف. بفكاهة لاذعة ونبرة إنسانية، يفتح الفيلم بابًا للنقاش حول الدين الكاثوليكي والشك واليقين من دون ابتذال أو تهكّم مجاني.
في نهاية التسعينيات، كان كيفن سميث اسمًا لا يتهرّب من الصدمة. "دوغما" (1999) قدّم سردًا ساخرًا عن محاولتين لملَكين ساقطين، يؤدي دورهما بن أفليك ومات ديمون، للعودة إلى السماء عبر ثغرة لاهوتية قد تفضي إلى محو البشرية. هذا الانحراف المتعمد عن المسلمات الدينية أشعل مواجهة مع أمريكا المحافظة التي قرأت في الفيلم تحديًا مباشرًا للعقيدة الكاثوليكية.
الصدمة لم تأتِ من السخرية وحدها، وإن ظهرت في لقطات رمزية كوحش هزلي من الفضلات بدا أكثر فُكاهة من كونه تجديفًا؛ بل من جرأة الفيلم على مساءلة بعض "الدوغما" بلا مراعاة للخطوط الحمراء المعتادة. سميث تحدث لاحقًا عن تلقيه "٤٠٠ ألف رسالة كراهية وثلاث تهديدات حقيقية بالقتل"، بينها رسالة تشرح بالتفصيل كيف يعتزم مرسلها اغتياله؛ حكاية تكشف منسوب الغضب الذي تجاوز قاعات العرض.
خارج السينما، تمدّد الجدل إلى الشارع عبر وقفات نظمتها جهات كـ"Catholic League" وتظاهرات عند العروض والمهرجانات. سميث، المعروف بخفة ظلّه، حضر متخفيًا إحدى الوقفات المناهضة لفيلمه، ليظهر أمام عدسات محلية كمحتج عادي يبتسم لسخرية الموقف. هذه المفارقة تلخص مزاجه الإبداعي: قدرة على الاستفزاز مع مسافة Irony تحفظ للفكرة عمقها.
وبعد سنوات، وجدت "Westboro Baptist Church" في العرض الافتتاحي لفيلمه "Red State" فرصة جديدة لاستهدافه، ما يؤكد أن التوتر بين أعماله وبعض الجماعات الدينية لم يكن عابرًا، بل جزءًا من سجال أوسع حول حدود السخرية الفنية وخطاب الإيمان العام.
لكن من شاهد "دوغما" بعيدًا عن غضب العناوين، وجد غالبًا عملاً أقل تجديفًا مما صُوّر له وأكثر فضولًا مما توقع. الفيلم يوازن بين السخرية والتفكير، ويمنح الشك مكانًا مشروعًا داخل تجربة الإيمان من دون هجاء أو تبشير. أداء آلان ريكمان ترك بصمة مرئية وسمعية تدعم هذه الرشاقة الذهنية؛ ومعه بدا "دوغما" لأعين كثيرة أجمل أعمال كيفن سميث وأكثرها نضجًا.
ربما سرّ التأثير أن الفيلم لا يدين ولا يُقدّس، بل يجرّب ويُحاجج بعقلٍ خفيف الظل، واضعًا الإيمان والإنسان في مساحة يلتقي فيها السؤال بالابتسامة. هذا المزج بين الجِدّ واللعب هو ما منح "دوغما" حياة أطول من ضجيج إطلاقه، وحضورًا معاصرًا في نقاشات السينما والدين والحرية الفنية.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93118884/doghma-fy...


