أثارت خطبة عيد الفطر في مصر وطريقة تنظيم الصلاة هذا العام موجة واسعة من التفاعل، بعدما تداخل فيها البعدان الديني والسياسي، في لحظة إقليمية مشحونة بحرب إيران واستهداف دول الخليج العربي. وقد تراكبت قراءتان أساسيتان للمشهد: الأولى تتعلق بصيغة الدعاء في حضرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والثانية بما عُرف شعبياً بـ"الصلاة المختلطة" بين الرجال والنساء في بعض الساحات والمساجد.
جاء ختام الخطبة على لسان الشيخ سيد عبد الباري بصيغة دعاء يتوسل بحق السيدة فاطمة الزهراء وآل البيت، مع جملة "لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك"، وهو ما اعتبره قطاع من المتابعين خروجاً عن المألوف في الخطاب الديني الرسمي السني في مصر، وقرّبه من بعض الصيغ المتداولة في البيئات الشيعية. هذا التأويل فتح باباً واسعاً للتشكيك في دلالات الدعاء، بين من رأى فيه مخالفة لعقيدة أهل السنّة والجماعة، ومن تعامل معه باعتباره توسلاً مألوفاً بمقام آل البيت في الوجدان الشعبي المصري، ولا ينطوي على انتقال مذهبي، كما حاولت بعض المنابر الدينية المحلية تفسيره.
الجدل اتسع ليغادر الإطار الفقهي إلى سؤال الهوية الدينية للدولة المصرية وعلاقتها بمحورها الخليجي، إذ ذهب بعض مستخدمي منصات التواصل إلى قراءة الدعاء بوصفه إيحاءً بعدم الارتهان اقتصادياً أو سياسياً لدول الخليج، وربطه آخرون بتنامي التقارب مع إيران أو تفهّم هجماتها الصاروخية على منشآت في الخليج والأردن والعراق. في المقابل، تستند قراءة أخرى إلى الموقف الرسمي المعلن، حيث أدانت القاهرة بوضوح الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج وأكدت أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مع رفض الانخراط في تحالفات عسكرية مباشرة، ما يضع الخطاب السياسي في مسافة مختلفة عن التأويلات المتداولة للدعاء.
هذا التباين في القراءة سمح لعدد من الباحثين في الفلسفة والدين باعتبار الخطبة رسالة سياسية بقدر ما هي نص ديني، عبر تأكيد استقلال المرجعية الدينية المصرية عن المدارس الخليجية ومحاولة تثبيت صورة دور مصري "غير تابع" في لحظة استقطاب حاد بين طهران وعواصم الخليج. وفي تقدير هذه المقاربة، تحاول القاهرة أن تظهر بمظهر الطرف الحريص على عدم تحويل الخلاف مع إيران إلى صراع مذهبي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزامها العلني تجاه أمن الدول العربية التي تتعرض لهجمات.
في المستوى الاجتماعي، برزت قضية "الصلاة المختلطة" بعد تداول مقاطع مصورة تظهر نساء يصلين بمحاذاة الرجال في ساحات عامة، مع تعليقات متسائلة عن حكم هذا الترتيب ومدى مشروعيته. التجربة ليست جديدة بالكامل في المدن المزدحمة، لكنها تحولت هذا العام إلى محور نقاش حاد، بين من رأى فيها إخلالاً بآداب الصلاة الجماعية، ومن عزا الأمر إلى ضغط الأعداد وغياب تنظيم كافٍ لمصليات النساء، مع دعوات لتخصيص مساحات مستقلة تضمن الخصوصية والراحة.
دار الإفتاء المصرية أوضحت أن اختلاط صفوف الرجال والنساء من دون فاصل يعد مخالفة للضوابط الشرعية المنظمة لصلاة الجماعة، مشيرة إلى أن بعض المذاهب ترى الصلاة في هذه الحالة باطلة، فيما يعتبرها جمهور الفقهاء مكروهة مع التشديد على التزام ترتيب الصفوف كما ورد في السنة، رجالاً ثم صبياناً ثم نساء. كما أعاد مركز الأزهر العالمي للفتوى التذكير بأن خروج النساء إلى صلاة العيد مستحب، مع ضرورة الفصل الواضح بين الجنسين خلال أداء الشعيرة، وهو ما يمنح النقاش بعداً تنظيمياً يتجاوز الجدل الأخلاقي أو الثقافي العام.
على المستوى الإقليمي، اكتسب النقاش حول خطبة العيد أهمية إضافية بفعل التوقيت؛ إذ يتزامن مع تصاعد الضربات المتبادلة بين إيران وبعض دول الخليج، وما يرافق ذلك من حديث عن إعادة رسم الاصطفافات في المنطقة. لهذا بدت بعض القراءات الخليجية للدعاء أكثر حساسية، خشية أن يعكس تحوّلاً في تموضع القاهرة أو استعمال المنبر الديني الداخلي لإرسال إشارات خارجية غير منسقة بالكامل مع الخطاب السياسي الرسمي.
في المقابل، أكدت تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي تمسك الدولة برفض الحرب وادانة الاعتداءات التي تطال دول الخليج والأردن والعراق، مع تأكيد التضامن الكامل مع هذه الدول، ما يمنح صناع القرار في الخليج مادة رسمية واضحة لموازنة ما يرد في النقاشات الرقمية حول خطبة العيد ودعائها. بين هذين المستويين، يبدو أن التحدي أمام المؤسسة الدينية المصرية يتمثل في ضبط خطاب المنابر الكبرى بحيث لا يتحول إلى منصة تأويل سياسي خارجي، مع الاستمرار في استيعاب الحساسية الشعبية تجاه آل البيت وتعبيرات التدين المصري التقليدي.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95553519/daaaaa-al-a...