أصدرت الهيئة العلمية العامة للطريقة القادرية الرازقية دراسة تأصيلية بعنوان «المولد النبوي الشريف: تأصيل شرعي ومقاربة أصولية في ضوء الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة»، تناولت فيها مسألة إحياء ذكرى المولد النبوي من منظور شرعي وأصولي، داعية إلى معالجة الخلاف الفقهي المتصل بها بمنهج علمي هادئ يحترم تعدد الاجتهادات المعتبرة.
وأوضحت الدراسة أن إعدادها جاء بتوجيه من شيخ الطريقة القادرية الرازقية، الشيخ مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز الوظيفة العلمية للطريقة وربط مرجعيتها الروحية بالبحث والتحقيق والتأصيل الشرعي. كما تندرج ضمن الاهتمام بالقضايا التي تمس الوعي الديني للمجتمع، مع التشديد على أن يقوم الخطاب الديني على الدليل وحسن الأدب واحترام الاختلاف.
واعتمدت الهيئة، بحسب ما عرضته الدراسة، منهج تحرير محل النزاع واستعراض الأدلة والنظر في الاتجاهات الفقهية المختلفة. وميّزت بين المعاني التي تعد من الثوابت في الشريعة، ومنها محبة الرسول ﷺ وتعظيمه والصلاة والسلام عليه، ومدارسة سيرته، والاقتداء بهديه، وبين الجدل المتعلق بتخصيص مناسبة المولد باجتماعات أو أعمال وصور احتفالية معينة.
وفي عرضها للأدلة التي ناقشها الفقهاء، استحضرت الدراسة حديث صيام النبي ﷺ يوم الاثنين، الذي ربطه بيوم مولده ويوم بعثته أو نزول الوحي عليه. واعتبرت أن هذا الحديث كان من النصوص التي استند إليها عدد من العلماء عند بحث معنى استحضار نعمة المولد وشكر الله عليها، ضمن اجتهادات اختلفت في تنزيلها على صورة إحياء الذكرى.
وفي المقابل، عرضت الدراسة مستندات الاتجاه الفقهي الذي لا يرى مشروعية تخصيص مناسبة المولد بهذه الممارسات، مؤكدة أن الخلاف حولها ليس مستجدا، وأن الأمانة العلمية تقتضي تقديم الأقوال المتباينة ومناقشتها بالحجة، من غير تجريح للمخالفين أو طعن في مقاصدهم ونياتهم. ودعت إلى أن تضبط المناقشة أصول الدليل والتحقيق وحسن الظن، حتى لا تتحول المسائل الاجتهادية إلى خصومة بين المسلمين.
وتوقفت الهيئة عند الحضور التاريخي للاحتفاء بالمولد النبوي في المغرب، ضمن تقاليده الدينية والعلمية، في سياق المرجعية التي تجمع المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني. وقدمت هذه الخصوصية باعتبارها جزءا من البيئة الدينية والعلمية التي تشكلت فيها ممارسات إحياء المناسبة بالمملكة.
وشددت الدراسة على أن القول بجواز إحياء المولد أو مشروعيته لا يفضي إلى إقرار جميع الممارسات التي قد تقع في بعض الاحتفالات. وأكدت ضرورة التزام الضوابط الشرعية وتفادي الغلو والإسراف وسائر المحرمات، مع توجيه البرامج نحو تلاوة القرآن، والصلاة والسلام على النبي ﷺ، ومدارسة سيرته وشمائله، والصدقة وإطعام الطعام، واستحضار قيم الرحمة وحسن الخلق والاتباع.
وخلصت الدراسة إلى أن الغاية من استذكار المولد لا ينبغي أن تقتصر على مناسبة موسمية أو نقاش فقهي متكرر، بل تتصل بتحويل المحبة إلى سلوك، والذكر إلى عمل، والاقتداء إلى أخلاق ورحمة وصلاح في المجتمع. كما وضعت الإصدار ضمن توجه الطريقة القادرية الرازقية إلى ترسيخ حضورها العلمي والمؤسساتي، عبر خطاب يستند إلى المرجعية المغربية والعلم والتزكية والوسطية.
المصدر : https://www.aktab.ma/nashra/i/97778867/dirasa-qadi...