اعتمدت الدراسة على مادة ميدانية جُمعت في طنجة بين يناير 2018 وفبراير 2020، ضمن بحث دكتوراه عن اتساع العمل المأجور النسائي في المناطق الصناعية الحرة. وشملت أربعين مقابلة شبه موجهة مع 23 عاملة و8 عمال و9 أطر، إلى جانب ستة أشهر من الملاحظة الإثنوغرافية في سكن مشترك مع عاملات. وركزت الدراسة بصورة خاصة على عاملات اشتغلن في شركات صناعة أسلاك السيارات، وهي صناعة تعتمد على العمل المتكرر بنظام الورديات وعلى خطوط الإنتاج.
وتبين الدراسة أن 20 من أصل 23 عاملة جرى استجوابهن تابعت دراستها بعد البكالوريا، وغالبا إلى مستوى سنتين بعد البكالوريا أو الإجازة. غير أن الشهادات لا تقود بالضرورة إلى الاعتراف المهني أو إلى أجر يناسب مستوى التكوين. فقد أصبحت الشركات، مع تطور القطاع الصناعي في طنجة، تستقطب نساء مؤهلات لشغل مناصب لا تتطلب رسميا سوى مستوى دراسي محدود، من دون إدماج مؤهلاتهن الدراسية ضمن تعريفات الوظائف أو نظم الأجور والترقي.
وتتتبع الباحثة تحولا في سياسات التوظيف عبر مراحل التصنيع في طنجة. ففي بداية الألفية، حين كانت المصانع الجديدة تحتاج إلى أعداد كبيرة من اليد العاملة، بدت معايير الانتقاء أكثر مرونة. ثم اتجهت بعض الشركات في مرحلة لاحقة إلى التحفظ تجاه المترشحات ذوات المسارات الجامعية، بحسب روايات عاملات اعتبرن أن إخفاء الشهادة في السيرة الذاتية قد يزيد فرص القبول. ومع توسع مناطق صناعية أحدث، ولا سيما في قطاع السيارات، أصبحت الشهادات عاملا مطلوبا في التوظيف حتى في المناصب المصنفة غير مؤهلة.
ولا يفسر سوق الشغل وحده استمرار العاملات في هذه الوظائف. فالدراسة تبرز دور الخلفيات الأسرية والاجتماعية والجغرافية في تشكيل التوقعات المهنية. بعض العاملات كنّ يطمحن إلى الولوج إلى الوظيفة العمومية، خصوصا خريجات الجامعة اللواتي أمضين سنوات في اجتياز المباريات. وأخريات، ولا سيما خريجات التكوين المهني، كنّ يتطلعن إلى العمل في الإدارة أو المحاسبة أو الأبناك أو التجارة والخدمات. أما القادمات من أوساط ريفية أو عائلات أقل موردا، فغالبا ما كانت أولوية الحصول على دخل سريع أكثر إلحاحا من مطابقة العمل للشهادة.
وتصف كريمي ما تسميه أثرا تراكميا يجعل مغادرة العمل الصناعي أكثر صعوبة بمرور الوقت. فالحصول على راتب منتظم، والاستقلال في السكن، والمساهمة في نفقات الأسرة، وسداد الديون، كلها عناصر تمنح العاملات هامشا من الاستقلال لا يرغبن في خسارته بالعودة إلى البطالة أو التبعية العائلية. وهكذا يتحول العقد المستقر، الذي يفترض أن يكون مكسبا اجتماعيا، إلى عامل إضافي يرسخ البقاء في المصنع، حتى حين لا ينسجم ذلك مع التطلعات الأولى.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن العاملات يطوّرن استراتيجيات فردية لمنح عملهن معنى أو للبحث عن مخرج منه. تشمل هذه الاستراتيجيات الادخار، ومتابعة التكوين، والسعي إلى الترقي، وامتلاك مشروع صغير، كما تشمل ترتيب الخيارات الزوجية في ضوء الرغبة في الحفاظ على الاستقلال أو التخفف من العمل المأجور. غير أن هذه الإمكانات تظل متفاوتة؛ إذ ترتبط بالقدرة على الادخار، وبالدعم العائلي، وبفرص الترقي داخل المؤسسة.
وتخلص الدراسة إلى أن العمل الصناعي النسائي في المناطق الحرة بطنجة يجمع بين عناصر متناقضة: فهو يتيح دخلا واستقلالا ومكانة داخل الأسرة، لكنه قد يثبت العاملات في وظائف أدنى من مؤهلاتهن. وتظهر هذه المسارات أن الانتقال من عمل مؤقت إلى استقرار طويل لا ينتج عن الاختيار الفردي وحده، بل يتشكل عند تقاطع سياسات التشغيل، وتحولات سوق العمل، وعلاقات النوع الاجتماعي، والالتزامات العائلية.
المصدر : https://lemaroc.articlophile.net/almghrb/i/9825281...