دراسة. الروابط الاجتماعية ودورها في استقرار العمل بالمغرب


الاثنين 31 أغسطس/أوت 2026 à 16:24 |



تطرح دراسة أكاديمية حديثة مسألة استقرار العمل في المغرب من زاوية تختلف عن التقسيم الشائع بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي. ويرى الباحثان سكوت فياليه-تيفينين (جامعة بوتسدام) وصفية فقاق لوحيل (جامعة كاليفورنيا، سان دييغو) أن علاقة الشغل لا تُفهم من خلال العقد أو الحماية القانونية وحدهما، بل بوصفها علاقة اجتماعية تتداخل فيها الروابط العائلية والمهنية والمحلية والتنظيمية، بما قد يوفر فرصاً للاستقرار أو يفرض قيوداً على العاملين.



ونُشرت الدراسة في العدد الأول لسنة 2026 من مجلة «موند عربي»، واعتمدت على أكثر من 80 مقابلة بيوغرافية أُنجزت بين 2020 و2022 ضمن بحث جماعي شمل الرباط وبنجرير. واختيرت المدينتان لاختلاف بنيتهما الاقتصادية وأنماط العمل فيهما؛ فالرباط ذات طابع إداري وسياسي يغلب فيه العمل المأجور، بينما تتميز بنجرير، الواقعة في إقليم الرحامنة، بانتشار أوسع للعمل المستقل والنشاط الزراعي والمساعدة العائلية.



وتنتقد الدراسة اختزال واقع الشغل في ثنائية الرسمي وغير الرسمي، معتبرة أن هذه التصنيفات الإدارية والإحصائية لا تكفي لتفسير المسارات المهنية الفعلية. فقد يكون العمل خاضعاً لإطار قانوني من دون أن يضمن استقراراً فعلياً، كما قد تستمر بعض أشكال العمل غير المؤطرة بعقود بفضل علاقات اجتماعية متينة. لذلك تقترح الدراسة التركيز على ما تسميه الانغراس العلائقي، أي إدراج علاقة العمل داخل شبكة من العلاقات الأخرى التي تسهم في تنظيمها واستمرارها.


ويشمل هذا الانغراس، بحسب الباحثين، الروابط العائلية والصداقة والجوار، والعلاقات التي تنشأ داخل مكان العمل، والصلات المهنية الممتدة خارج المؤسسة، إضافة إلى الارتباط بمكان محدد مثل محل تجاري أو موقع في سوق. وتوضح الدراسة أن الروابط المنتشرة خارج مكان العمل تساعد غالباً في العثور على فرصة أولى، في حين تبدو الروابط المركزة، سواء داخل الأسرة أو داخل تنظيم مهني، أكثر ارتباطاً باستمرار العمل بعد الحصول عليه.


الأنواع الخمسة للانغراس العلائقي بحسب الدراسة

  روابط أصلها خارج المجال الاقتصادي روابط أصلها داخل المجال الاقتصادي روابط مركّزة علاقات عائلية داخل المؤسسة التي تحتضن علاقة العمل الارتباط بمكان محدد (محل تجاري، موقع في سوق...) روابط منتشرة علاقات صداقة أو قرابة بعيدة داخل المهنة (زملاء وأرباب عمل سابقون)

المصدر: سكوت فياليه-تيفينين وصفية فقاق لوحيل، «Stabiliser son emploi au Maroc», مجلة موند عربي، 2026.


وتبرز البيانات التي استند إليها البحث حجم الاعتماد على العلاقات الشخصية في البحث عن عمل. فبحسب معطيات المرصد الوطني للتنمية البشرية لسنة 2017، استعان 31,9 في المائة من الباحثين عن شغل بالعائلة أو الأصدقاء أو المعارف، لتأتي هذه الوسيلة بعد الاتصال المباشر بالمشغلين الذي بلغ 40,3 في المائة. كما سجلت الدراسة تفاوتاً بحسب الوسط والجنس والمستوى الدراسي، إذ ارتفع اللجوء إلى المحيط الشخصي في المناطق القروية مقارنة بالمدن، وكان أكبر لدى الرجال منه لدى النساء.


وتشير الدراسة إلى أن الأشخاص ذوي المستويات التعليمية الابتدائية أو الإعدادية يعتمدون على العلاقات الشخصية بنسبة تفوق 41 في المائة، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 12,11 في المائة لدى الحاصلين على تعليم عال. وفي المقابل، يتجه المتعلمون أكثر إلى المباريات، التي مثلت قناة بحث عن العمل لدى 46,26 في المائة منهم. غير أن الباحثين يلفتان إلى أن الشبكات لا تغيب حتى في المسارات المهنية المؤهلة، إذ قد تظهر عبر التوصيات والعلاقات المتراكمة داخل المهن أو المؤسسات أو الأوساط الطلابية والجمعوية.


طرق البحث عن عمل بحسب المستوى التعليمي (النسب المئوية)

طريقة البحث بدون مستوى ابتدائي إعدادي ثانوي تعليم عالٍ المجموع الاتصال المباشر بالمشغل 36.59 39.81 43.92 43.16 34.36 40.37 الأسرة والأصدقاء والمعارف 20.73 41.10 43.21 32.48 12.11 31.69 اجتياز المباريات 0.00 1.29 3.53 15.78 46.26 16.39 انتظار فرصة في «الموقف» 37.80 15.86 6.70 1.39 0.22 6.78

المصدر: معطيات المرصد الوطني للتنمية البشرية (ONDH) لسنة 2017، معالجة الباحثين.


وتظهر المقابلات أن الأسرة قد توفر مورداً للعمل، خصوصاً في الأنشطة التجارية والحرفية والمشروعات الصغيرة، لكنها قد تقيد أيضاً هامش الاختيار والاستقلال. وتكون هذه القيود أكثر حضوراً لدى النساء الأقل تعليماً، حين تحد الروابط الأسرية من الحركة أو من إمكان بناء علاقات مهنية خارج الدائرة العائلية. وفي حالات أخرى، يمنح امتلاك محل أو موقع تجاري أو رأس مال عائلي شكلاً أكبر من الاستقرار، لأن علاقة العمل تستند إلى مورد مادي وليس إلى العلاقة الشخصية فقط.


أما العلاقات المهنية المتراكمة بين الزملاء وأرباب العمل السابقين، فتسمح أحياناً بالانتقال من وظيفة إلى أخرى، خاصة في المهن الأقل تأهيلاً. لكن الدراسة تعتبر أن هذا النوع من الاستقرار يظل هشاً، لأنه يقوم على تعاقب فرص عمل قصيرة المدى لا على استمرارية علاقة مهنية واحدة. وفي المؤسسات المنظمة، لا يضمن العقد الدائم وحده بقاء العامل، إذ قد تصبح العلاقة مع المسؤولين المباشرين أو الإدارة عنصراً مؤثراً في تثبيت الموقع المهني.


وتخلص الدراسة إلى أن اللجوء إلى العلاقات في الحصول على العمل يحمل بعداً أخلاقياً متناقضاً. فكثير من المستجوبين ينظرون إلى ما يعرف شعبياً بـ«الواسطة» أو «البستون» باعتباره ممارسة غير مشروعة أو منافية للاستحقاق، لكنهم يقرون، عند استعراض مساراتهم، بأن المساعدة الشخصية كانت حاضرة في فرصهم المهنية. وترى الدراسة أن الفوارق لا تتعلق فقط بحجم الشبكات المتاحة، بل أيضاً بقدرة الأفراد على فهم علاقاتهم وتوظيفها باعتبارها رأس مال اجتماعياً في بناء مسار مهني أكثر استقراراً.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97841401/a...


: في نفس القسم