يطرح عالم النفس التطوري بيتر غراي قراءة مغايرة للنقاش الدائر حول علاقة الأطفال بالتكنولوجيا، قراءة تنطلق من مسار بحثي امتد لعقود وتستند إلى تصور يعتبر اللعب الحر شرطاً أساسياً لنمو سليم. هذا الطرح يضعه في مواجهة مباشرة مع أطروحات باتت مهيمنة في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً تلك التي تربط بين انتشار الهواتف الذكية وتدهور الصحة النفسية لدى المراهقين.
غراي، الذي درّس في كلية بوسطن لأكثر من ثلاثين عاماً، بنى مشروعه العلمي على تعريف محدد للعب بوصفه نشاطاً ذاتي التوجيه لا يخضع لإشراف مباشر ولا يسعى إلى غاية خارجية. هذا النوع من النشاط، بحسب أبحاثه، يسمح للأطفال بتطوير مهارات حل المشكلات وبناء العلاقات واتخاذ القرارات بشكل مستقل. وقد عرض هذه الفكرة بشكل موسع في كتابه الصادر عام 2013، والذي حظي باهتمام أكاديمي وإعلامي واسع، كما دعمه باحثون بارزون مثل ستيفن بينكر.
المسار الذي يقترحه غراي لا يتوقف عند الفضاءات التقليدية كالحدائق أو الأحياء السكنية، بل يمتد إلى البيئة الرقمية. فهو يرى أن الإنترنت يمثل امتداداً طبيعياً لعالم الطفل المعاصر، وأن حرمانه من استكشافه بشكل مستقل يعيد إنتاج أنماط الحماية المفرطة التي حدّت، في رأيه، من استقلالية الأطفال منذ منتصف القرن العشرين. هذا الموقف يضعه في تعارض مع توجهات سياسية وتشريعية تتزايد منذ صدور كتاب The Anxious Generation لعالم النفس جوناثان هايدت، الذي يدعو إلى تقييد استخدام الهواتف الذكية وفرض حدود عمرية على وسائل التواصل الاجتماعي.
الخلاف بين الباحثين لا يقتصر على التوصيات، بل يمتد إلى تفسير البيانات. هايدت يستند إلى تزايد معدلات القلق والاكتئاب بين الشباب منذ العقد الماضي، ويربط ذلك بانتشار الهواتف الذكية. في المقابل، يعترض غراي على هذا الربط السببي، ويعتبر أن الأدلة المتاحة لا تتجاوز مستوى الترابط الإحصائي. تقرير صادر عن الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم عام 2024 يدعم جزئياً هذا التحفظ، إذ يخلص إلى أن الأدبيات العلمية حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية تبقى متباينة وغير حاسمة.
بدلاً من التركيز على التكنولوجيا، يوجه غراي الانتباه إلى المدرسة. في مشروع كتابه الجديد، يستند إلى بيانات من دراسات مثل Stress in America التي أظهرت ارتفاعاً كبيراً في مستويات الضغط المرتبط بالأداء الدراسي بين عامي 2009 و2013. كما يعزز طرحه بمعطيات حديثة، منها نتائج مركز بيو للأبحاث عام 2025 التي تشير إلى أن 68% من المراهقين الأمريكيين يشعرون بضغط كبير لتحقيق نتائج مدرسية جيدة، وهو معدل يفوق ضغوط المظهر أو القبول الاجتماعي.
مع ذلك، لا تمر هذه القراءة دون انتقادات. بعض الباحثين، مثل كانديس أودجرز وكريستوفر فيرغسون، يوافقون على ضرورة توسيع النقاش، لكنهم يشيرون إلى محدودية الأدلة التي تربط بشكل مباشر بين إصلاحات تعليمية محددة وتدهور الصحة النفسية. كما يلفتون إلى أن تفسير الظواهر المعقدة بعامل واحد يتجاهل عناصر أخرى، منها الصحة النفسية للآباء، التي تعد مؤشراً قوياً على رفاه الأطفال.
نقطة أخرى مثيرة للنقاش في أطروحة غراي تتمثل في تقييمه الإيجابي للتكنولوجيا. فهو يعتبر أن الفترة الممتدة بين 1990 و2010 شهدت تحسناً نسبياً في مؤشرات مثل الانتحار بين المراهقين، ويربط ذلك بظهور فضاءات رقمية أتاحت للأطفال فرصاً للتفاعل والاستقلال. هذا التفسير يواجه بدائل أخرى، منها فرضية تقليل التعرض للرصاص نتيجة حظر البنزين المحتوي عليه، وهي فرضية طرحها هايدت استناداً إلى أبحاث تربط الرصاص باضطرابات سلوكية.
المواجهة بين المقاربتين تكشف انقساماً أوسع داخل حقل دراسات الطفولة والتكنولوجيا. جزء من الباحثين يرى في الأجهزة الرقمية خطراً يتطلب تدخلاً تنظيمياً، بينما يدعو آخرون إلى التعامل معها كبيئة اجتماعية جديدة ينبغي فهمها بدل تقييدها. هذا الانقسام لا يتعلق فقط بالبيانات، بل أيضاً بطريقة قراءتها وبالافتراضات المسبقة حول طبيعة الطفولة والاستقلال.
مع اقتراب صدور كتاب غراي الجديد، يتوقع أن يتجدد النقاش حول الأسباب المحتملة لأزمة الصحة النفسية لدى الشباب. غياب تجارب تجريبية حاسمة يجعل الحسم النهائي صعباً، ما يترك المجال مفتوحاً لتنافس فرضيات متعددة، كل منها يستند إلى أجزاء من الصورة دون أن يحيط بها بالكامل.
فيديو ذو صلة:
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97406786/k...

معركة الفرز بين الإنسان والروبوت تكشف مستقبل العمل
