في الأيام الأخيرة، تصدّر اسم الباحث العراقي المقيم في بريطانيا غيث التميمي منصات التواصل، بعد حلقة من برنامج «السؤال الصعب» على قناة سكاي نيوز عربية، وهي قناة تبثّ من أبوظبي. ما قاله لم يكن جديداً على من يتابع مواقفه السابقة، لكن الجديد هو الوضوح الذي قيل به، والمنبر الذي قيل منه، وحجم الانتشار الذي لقيه.
بحسب ما نقلته قراءة لقناة «المشهد» لمواقفه، اعتبر التميمي أن من مصلحة العراق بناء علاقات جيدة مع إسرائيل، وقال صراحة إن «مصلحتنا مع إسرائيل»، وأشاد برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أما القضية الفلسطينية، فكرّر في شأنها موقفاً سبق أن عبّر عنه، مفاده أنها قضية الفلسطينيين وحدهم، لا قضية العرب جميعاً.
وفي الملف الإيراني، قال إن نفوذ طهران في العراق انتهى وإن حضورها في سوريا ولبنان يتراجع. وبذلك تتداخل في خطابه مسألتان: القطيعة مع ما يسمى «محور المقاومة»، والدعوة إلى مراجعة العلاقة مع إسرائيل، وكأن الثانية نتيجة طبيعية للأولى.
وُلد في الكاظمية ببغداد، ودرس في الحوزة العلمية بالنجف، وتخصص في دراسات الفكر الإسلامي، ثم تخلّى عن الزي الديني وابتعد عن التيار الصدري، وفق ما ورد في تقديم برنامج «السؤال الصعب» نفسه لإحدى حلقاته السابقة معه. ويُعرَّف اليوم بأنه رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع وناشط مدني وسياسي، وله حضور متكرر في وسائل إعلام عربية ودولية. وتصفه مواقف منتقديه بالتطبيع، في حين يرى فيه مؤيدوه صوتاً براغماتياً وواقعياً.
انقسمت التعليقات على مواقع التواصل بين مشيد بما رآه جرأة في كسر المحرّمات الخطابية، ومنتقد بلغ حدّ التهجم الشخصي على الرجل. وهذا الانقسام نفسه جزء من الظاهرة: فالخطاب الذي كان يُقصى سابقاً إلى الهوامش أو إلى منابر غير عربية، صار يجد اليوم مساحة على شاشات ذات جمهور واسع، ويُناقش علناً بدل أن يُتجاهل.
لا يكفي ظهور صوت واحد، مهما علا صخبه، للحديث عن تيار متماسك. غير أن السياق الأوسع يمنح الحالة دلالتها: فمنذ اتفاقات أبراهام عام 2020 تغيّر المناخ السياسي في المنطقة، وتبدّلت حدود ما يمكن قوله علناً، وتتابعت تطورات العلاقات بين المغرب وإسرائيل وغيرها من مسارات التقارب الرسمي. وفي هذا المناخ، يميل بعض المتحدثين إلى تقديم خطاب يقوم على ثلاث أفكار متكررة:
أن المصلحة الوطنية لكل دولة عربية تتقدّم على الشعارات الجامعة. أن «القضية» استُخدمت طويلاً غطاءً سياسياً من أنظمة وتيارات لخدمة أجنداتها الخاصة. أن الصراع مع إيران وأذرعها هو الخطر الأول، وأن العداء لإسرائيل صار عبئاً لا طائلاً منه.في المقابل، يرى المنتقدون أن حصر القضية الفلسطينية في الفلسطينيين وحدهم يتجاهل بعدها الإنساني والقانوني والتاريخي المرتبط بالاحتلال والتهجير، وأن الرأي العام العربي ما زال في أغلبه متمسكاً بهذه القضية. ويستحضرون مبادرة السلام العربية لعام 2002 التي ربطت التطبيع الجماعي بإنهاء الاحتلال، معتبرين أن تجاوزها يعني التخلي عن ورقة تفاوضية عربية جماعية دون مقابل. كما يلفتون إلى أن الانتقال من نقد استغلال «القضية» إلى تبرئة الاحتلال انتقال غير منطقي، فالنقد الأول لا يستلزم الثاني.
السؤال الصحفي الجدير بالمتابعة ليس ما إذا كان هذا الخطاب «صحيحاً» أم «خاطئاً»، بل ثلاثة أمور: من يُستضاف، ومن يُستضاف في المقابل ليرد، وكيف تُدار الحوارات. فالمنبر الذي يمنح الكلمة لصوت جريء مطالب بأن يمنحها كذلك لمن يعارضه بالقدر ذاته من العمق، وأن يحاور بالأسئلة لا بالمجاملة. ولا تتوافر حتى الآن بيانات موثوقة تقيس مدى تأثير هذه المقابلات في الرأي العام العربي، ولذلك يبقى الحكم على اتساع الظاهرة مرهوناً بالمعطيات لا بحجم الضجيج.
📌 اقرأ أيضاً في «الخبر»
المغرب وإسرائيل: نهاية الجمود الدبلوماسي بعد ست سنوات مع قمة نيويوركالمصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98257523/ghaith-tam...