يقدّم كتاب «Sortir de la guerre. Des guerres de Religion aux conflits asymétriques» لغيوم بيكتي قراءة تاريخية لمفهوم الخروج من الحرب، بوصفه مسارًا لا يقتصر على لحظة توقف القتال، بل يمتد إلى ما بعده بكثير. فالكتاب، الصادر عن «باسيه كومبوزيه» بالتعاون مع وزارة الجيوش الفرنسية، ينظر إلى النزاعات بوصفها ظواهر تنتهي بترتيبات سياسية وعسكرية واجتماعية متداخلة، لا بمجرد إعلان رسمي أو توقيع معاهدة.
ويقوم العمل، بحسب العرض المنشور في «هستوار إيه سيفيليزياسيون»، على تتبّع تسع محطات تاريخية تمتد من حروب الدين في أوروبا إلى النزاعات غير المتكافئة في العصر الحديث. وتتيح هذه المقارنة الواسعة إبراز أن نهاية الحرب لا تتخذ الشكل نفسه في كل مرة، لأن شروطها تتبدل تبعًا لطبيعة الصراع، ولتوازن القوى، ولقدرة الأطراف على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية.
ويبرز من عرض الكتاب أن «الخروج من الحرب» يبدأ أحيانًا قبل أن تسكت المدافع فعلًا، إذ تتقدم في بعض الحالات إجراءات التهدئة، أو التفاوض، أو إعادة تنظيم المجال السياسي، على نهاية العمليات العسكرية. وفي هذا المعنى، لا يعود السلام نقطة وصول بسيطة، بل يصبح مرحلة انتقالية تتشابك فيها إعادة دمج المقاتلين، ومعالجة آثار العنف، وترميم المؤسسات، وصوغ ذاكرة جديدة للنزاع.
كما يلفت النص إلى أن الكتاب يربط بين الحرب وما بعدها عبر ثلاث دوائر مترابطة: مصير المقاتلين، وإعادة بناء المجتمع، وصناعة الذاكرة. فالمسألة لا تتوقف عند إنهاء العنف، بل تشمل أيضًا العودة إلى الحياة المدنية، وتحديد المسؤوليات، وتدبير التعويضات، وصياغة رواية عامة عن الصراع، وهي عناصر تجعل الخروج من الحرب اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا بقدر ما هو اختبار أمني.
ويُفهم من هذا المنظور أن الكتاب لا يقدّم سردًا تقليديًا للتاريخ العسكري، بل دراسة في تحوّل الحرب إلى وضع ما بعد الحرب، وفي الكيفية التي تعيد بها المجتمعات ترتيب نفسها بعد الصدمة. ولذلك تبدو راهنية الموضوع واضحة في زمن تتعدد فيه النزاعات المفتوحة أو الممتدة، وتتداخل فيه الحدود بين العمليات العسكرية، والاحتلال، والتهجير، والمصالحة، وإعادة الإعمار، كما تذكّر بذلك مادة الناشر نفسها.
وبهذا المعنى، فإن العمل لا يكتفي بوصف ما جرى في الماضي، بل يقترح إطارًا لفهم الحاضر أيضًا، لأن كثيرًا من الحروب المعاصرة لا تنتهي في التاريخ الرسمي الذي يُعلن بعده السلام، بل تواصل أثرها عبر سنوات من الترتيبات الهشة والآثار المتراكمة. ومن هنا تأتي قيمة هذا الكتاب كمرجع تاريخي يربط بين الحسم العسكري وبناء السلام، وبين انتهاء المعركة وبداية زمن آخر أكثر تعقيدًا.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/cultures/i/95552694/khrog-...