يأتي كتاب «خمس منازل لله وغرف الجدة» لمروان الغفوري، الصادر عن دار الساقي عام 2025، كأحد أكثر النصوص السردية العربية المعاصرة جرأة في الاقتراب من تجربة الإيمان من الداخل، عبر حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها: مسجد صغير على سفح تلّ بلا اسم، مؤذن غريب الأطوار، ودفتر مراهق يمتلئ أولاً بالمعرفة المدرسية قبل أن تمتلئ صفحاته بالأسئلة والقلق الوجودي. من هذا الفضاء المحدود ظاهرياً يفتح الكاتب أفقاً واسعاً للتأمل في علاقة الإنسان بالله، كما تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية، وفي مناطق التوتر بين الموروث الديني والوعي الحديث.
يتخذ الغفوري من عالم المسجد نقطة انطلاق مركزية: مئذنة عالية يراها سكان الحي من بعيد، ومسجد صغير بحجم «راحة اليد»، كما يلمّح النص، ومؤذن اسمه يونس يبدو كأنه خارج الزمن، «لا يعيش في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل»، في موقع رمزي بين الأزمنة الثلاثة. عبر هذا المؤذن، يلتقط الكاتب المفارقة بين الطقس الديني المتكرر (الأذان، الصلاة، الإيقاع اليومي) وبين الأسئلة العميقة التي تعصف بداخل الأفراد الذين يعبرون هذا الفضاء كل يوم.
في الخلفية، يبرز «الدفتر» بوصفه استعارة مركزية لمسار الوعي؛ صفحاته الأولى عامرة بمقاطع من شعر صلاح عبد الصبور وسامي البارودي، وبتلخيصات لدروس الأحياء والكيمياء والرياضيات والهندسة. شيئاً فشيئاً تتباعد هذه الصفحات وتتبدّل نبرتها، حتى تصل إلى لحظة مفصلية يدوّن فيها صاحب الدفتر وعيه بالموت: إحساسه بأنه «سيموت يوماً ما، وأن الماء يغلي حوله ببطء»، في اعتراف حاد بأن العلم وحده لا يحمي من الهشاشة الوجودية، بل يعرّيها أحياناً.
العنوان نفسه يقدّم مفتاح القراءة: «خمس منازل لله» تلمّح إلى أطوار متدرجة في تصور الإنسان للإله، من صورة الله في المسجد، إلى صورته في حكايات الجدة، مروراً بصورة الله في الدروس والدفاتر والمدرسة، وانتهاءً بصورته في التجربة الداخلية المجرّدة القلقة. أما «غرف الجدة» فهي فضاء الذاكرة الشعبية؛ الحكي الشفهي الذي يحوّل الخوف إلى قصة، والقلق إلى حكاية يمكن تكرارها، فتغدو الجدة وسيطاً بين جيل يمسك بالرواية التقليدية عن العالم، وجيل يحاول أن يكتب روايته الخاصة على صفحات دفتره.
يلعب الغفوري أيضاً على ثيمة الاسم واللااسم: التلّ بلا اسم، المؤذن الذي لا يُعرف «من أين جاء» في التاريخ، الدفتر الذي يصل إلى يد الأستاذ نبيل بطريقة مبهمة. هذه العناصر تلمّح إلى عالم يتشكّل من فراغات أكثر مما يتشكّل من يقين؛ عالم الدين نفسه يظهر كتجربة مفتوحة على الأسئلة، لا كمنظومة مغلقة من الإجابات، حيث تتجاور الطقوس اليومية مع الشكوك العميقة دون أن تلغي إحداها الأخرى.
أسلوب الكتاب يجمع بين جماليات القصة وحساسية المقال التأملي؛ مشاهد قصيرة ومتقطعة، لغة حميمية تميل إلى نبرة الاعتراف، وسرد يتحرك بحرية بين اليومي والميتافيزيقي، بين حكايات الجدة ودفتر المراهق ومأذنة المسجد. لا يقدم الغفوري نصاً وعظياً ولا تنظيراً عقائدياً، بل كتابة شخصية عن الإيمان، عن الشك بقدر ما هي عن الطمأنينة، وعن محاولة استعادة معنى الله خارج القوالب الجاهزة واللغة الخشبية المعتادة في الخطاب الديني.
في السياق العربي الراهن، حيث يشتد الجدل حول موقع الدين في المجال العام، يضيف «خمس منازل لله وغرف الجدة» صوتاً أدبياً مختلفاً يكتب عن التجربة الدينية من الداخل ومن موقع المساءلة. إنه نص يوفّق بين الحس الروحي والجرأة على طرح الأسئلة الصعبة، ويمنح القارئ فرصة نادرة لرؤية كيف تتشكل صورة الله في وعي جيل عاش بين المساجد والمدارس والدفاتر، محاولاً أن يصالح ما يتلقّاه من موروث مع ما يكتشفه بنفسه في غرفه الخاصة.
بهذا المعنى، لا يقتصر الكتاب على كونه حكاية شخصية أو نصاً سردياً فحسب، بل يمكن اعتباره مادة غنية للنقاش في الصفحات الثقافية، ومدخلاً حيوياً لفهم تحولات الكتابة عن الله والإيمان في الأدب العربي المعاصر. وهو مرشح لأن يحتل مكانة خاصة في مكتبة كل قارئ مهتم بالأدب الذي يعيد طرح الأسئلة الروحية بلغة سردية رفيعة، بعيداً عن الشعارات واليقينيات المطمئنة الجاهزة.
المصدر : https://www.soubha.com/books/i/95627280/hyn-yktb-m...