في بيان صادر يوم 29 غشت، طالبت "الجمعية التونسية للأطباء الشبان" الحكومة بإعلان "حالة طوارئ صحية"، نظرًا للوضع المتفاقم داخل المستشفيات العمومية، وفق ما نقله موقع "كابيتاليس" الإخباري المستقل. وضع تُعزى أسبابه مباشرة إلى ارتفاع درجات الحرارة واكتظاظ مصالح الاستعجالات. وتندد الجمعية بارتفاع "غير مسبوق" في عدد الوفيات المسجلة، في حين تفضل وزارة الصحة، بحسب "كابيتاليس"، عدم التواصل بشأن هذه المسألة أو تقديم إحصائيات حول عدد الوفيات داخل المستشفيات العمومية، وكأن الأمر "سر من أسرار الدولة".
تواصل رسمي في حده الأدنى: أشارت وزارة الصحة، في بيان صدر هي الأخرى يوم 29 غشت، إلى أن موجة الحر أدت إلى تكفل المستشفيات التونسية بـ633 حالة منذ شهر يوليوز، غير أن الشفافية تتوقف عند هذا الحد، بحسب "بيزنس نيوز"، إذ لم يُقدَّم أي رقم بخصوص عدد الوفيات. تواصل رسمي أدنى يتناقض مع الصورة "الكارثية" التي يصفها العاملون في القطاع الصحي ميدانيًا. وترى "بيزنس نيوز" أن وزارة الصحة تختار عدم الإصغاء إلى الشهادات، خاصة شهادات الأطباء الشبان "الذين يكافحون منذ أسابيع، حتى الانهيار أحيانًا، للعثور على سرير، أو لترطيب جسد ضحية أو وضعها تحت الأكسجين، تفاديًا لوفاتها رغم إمكانية إنقاذها".
وإذا كانت موجة الحر تنهك عموم البلاد، فإن وطأتها تشتد بشكل خاص داخل السجون، في ظل الاكتظاظ ونقص التهوية. فبحسب مقال نشرته قناة "الجزيرة" القطرية، توفي خمسة سجناء في يوم واحد داخل سجون منطقة تونس الكبرى، بينما سُجّلت خمس وفيات أخرى في المنستير (بمنطقة الساحل) وقفصة (بالحوض المنجمي)، وفق ما رصدته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
"الحر كعقوبة مزدوجة"، هكذا وصف موقع "نواة" الاستقصائي التونسي، منذ بداية غشت، جحيم الحياة داخل السجون في فترات الحرارة الشديدة، حيث يكتب الموقع أن "العيش بالعشرات في أمتار معدودة، وتقاسم سرير عندما يسمح الحظ بذلك، والشرب والأكل والنوم في المحيط الخانق نفسه، دون أفق آخر سوى جدران الإسمنت"، يجعل آلاف المعتقلين، في ظل اختناق تونس تحت وطأة حرارة قاسية، يقضون "عقوبة مزدوجة: عقوبة السجن، وعقوبة ظروفه المهينة".
وجمع موقع "نواة" شهادات لأقارب أشخاص توفوا في ظروف مثيرة للشبهات داخل السجون، من بينها شهادة والدة حمزة الدريدي، 33 سنة، المعتقل منذ أكثر من سنة دون محاكمة على ذمة قضية متعلقة بالقنب الهندي. وبحسب روايتها، فإن ابنها كان قد نبّهها قبل وفاته إلى صعوبة ظروف الاحتجاز، وتحديدًا إلى أن "الماء انقطع لمدة أربعة أيام متتالية، ما منع المعتقلين من الاغتسال رغم شدة الحرارة".
دعوات إلى "عفو مناخي": بلغ الوضع حدًا جعل منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تطرح ضرورة "عفو مناخي" يتيح الإفراج عن أكبر عدد ممكن من المعتقلين، مع إبقائهم رهن إشارة القضاء، بحسب ما نقلته منصة "العربي الجديد". وتفيد أرقام أوردتها منظمات غير حكومية بأن نسبة الاكتظاظ تتجاوز، في بعض السجون، 200 بالمائة. وبحسب أرقام استشهدت بها منظمة "وورلد بريزن بريف"، بلغ عدد السجناء في تونس سنة 2025 نحو 267 سجينًا لكل 100 ألف نسمة، من أصل نحو 33 ألف معتقل إجمالًا، فيما بلغت نسبة الاكتظاظ الوطنية 194 بالمائة.
قراءة نقدية: يبقى الفارق الصارخ بين الرقم الرسمي الوحيد المعلن (633 حالة تكفل طبي منذ يوليوز) وغياب أي حصيلة رسمية للوفيات، هو في حد ذاته مؤشر يستدعي التشكيك في رواية "الوضع تحت السيطرة" التي توحي بها وزارة الصحة عبر صمتها. فالاعتماد شبه الكامل، في تقدير حجم الكارثة، على منظمات المجتمع المدني والمنابر المستقلة (نواة، كابيتاليس، بيزنس نيوز، الجزيرة، العربي الجديد) دون تقاطع مع بيانات رسمية موازية، يجعل الأرقام المتداولة تقديرية بطبيعتها، وقابلة للتفاوت من مصدر إلى آخر. كما أن اختيار السلطات عدم التواصل لا يمكن قراءته بحياد كمجرد "تحفظ إداري"، بل هو بحد ذاته موقف سياسي يثير الشبهات حول حجم الحصيلة الفعلية وحول مدى استعداد الدولة لتحمل المسؤولية عن ظروف الاحتجاز التي تتكرر فيها الوفيات "المثيرة للشبهات" دون فتح تحقيقات مستقلة وشفافة تُعلن نتائجها للرأي العام.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...