حرية الصحافة بين الإفلات من العقاب والضغوط السياسية


الجمعة 18 شتنبر 2026 à 15:40 |



تؤكد افتتاحية نشرتها صحيفة «الغارديان» أن الدفاع عن الديمقراطية يمر عبر حماية الصحفيين وضمان قدرتهم على العمل من دون عنف أو ترهيب أو إقصاء سياسي. وتربط الصحيفة بين إفلات المتورطين في الاعتداءات ضد الإعلاميين من العقاب وبين ممارسات أقل عنفا، لكنها مؤثرة، تستهدف تقييد وصول الصحفيين إلى المعلومات أو معاقبتهم على تحقيقات تخدم المصلحة العامة.



وتنطلق الافتتاحية من قرار تبرئة رجل الأعمال المالطي يورغن فينيش من تهمة التواطؤ في مقتل الصحفية الاستقصائية دافني كاروانا غاليزيا. وكانت الصحفية قد قتلت في أكتوبر 2017 إثر انفجار عبوة وضعت في سيارتها، بعد سنوات من التحقيق في شبكات فساد وشخصيات نافذة في مالطا. وترى الصحيفة أن التبرئة تمثل انتكاسة لمسار العدالة، خصوصا أن فينيش أقر، وفق الافتتاحية، بعلمه المسبق بالجريمة وبمنحه أموالا للوسيط الذي دفع منفذي القتل.


وبعد تسعة أعوام من مقتل كاروانا غاليزيا، تشير الافتتاحية إلى تضاؤل احتمال محاسبة من أمر بالجريمة أو موّلها. كما تضع القضية إلى جانب تبرئة ثلاثة رجال اتهموا بقتل الصحفية ليرا مكّي في إيرلندا الشمالية قبل شهرين. وتوضح الصحيفة أن مكّي لا يُعتقد أنها كانت هدفا مباشرا بالطريقة ذاتها التي استهدفت بها كاروانا غاليزيا، غير أن عدم تمكن الشرطة والنيابة العامة من تأمين إدانات في القضيتين يعزز، بحسب الافتتاحية، الانطباع باستمرار الإفلات من العقاب في الجرائم الواقعة ضد الصحفيين.


وتربط «الغارديان» ملف مالطا بالسياق السياسي الذي أعقب الجريمة. فقد استقال رئيس الوزراء جوزيف موسكات عام 2019، لكن حزب العمال بقي في السلطة، وهو ما يثير، في تقدير الصحيفة، تساؤلات حول مدى تفكيك الشبكات التي ارتبط اسمها باتهامات الفساد والتخطيط للجريمة. وتدعو الصحيفة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، بحكم علاقاتهما الوثيقة بمالطا، إلى ممارسة ضغط أكبر من أجل ضمان المساءلة وحماية حرية الصحافة.


ولا يقتصر الخطر، في طرح الافتتاحية، على الاعتداءات الجسدية. فسلامة الصحفيين تمثل الحد الأدنى من الحماية المطلوبة، فيما تحتاج حرية الإعلام أيضا إلى مقاومة الإجراءات القانونية والسياسية التي تعيق التحقيقات أو تسكت المصادر. وفي بريطانيا، تشير الصحيفة إلى الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة، المعروفة اختصارا باسم «سلابس»، وهي دعاوى يمكن أن يستخدمها أصحاب الموارد المالية الكبيرة لتعطيل التحقيقات الصحفية والضغط على المبلغين. وتعتبر أن مشروع قانون خاصا يبدو حاليا المسار الأرجح لتجريم هذا النوع من الدعاوى أو الحد من أثره.


وتنتقد الافتتاحية في هذا السياق ما تعده ضعفا في سجل حزب العمال البريطاني داخل الحكومة بشأن مواجهة هذه الدعاوى. كما توجه انتقادا إلى حزب «ريفرم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج، بعد منعه محررة المدن في «الغارديان» آنا إسحاق وصحفيين آخرين من الحصول على تصاريح لتغطية مؤتمر الحزب. ولم يقدم الحزب، بحسب الصحيفة، تفسيرا لرفض منح التصريح لإسحاق، التي سبق أن نشرت تحقيقات بشأن هدية قدرها خمسة ملايين جنيه إسترليني تلقاها فاراج من رجل الأعمال في مجال العملات المشفرة كريستوفر هاربورن، وبشأن تقارير مصرفية أثارت مخاوف محتملة من غسل الأموال مرتبطة بتبرعات للحزب.


وتشدد الصحيفة على أن تمويل الأحزاب السياسية مسألة تدخل في صميم المصلحة العامة، وأن منع صحفيين بعينهم من التغطية لا يساوي التهديد المباشر أو العنف، لكنه يظل وسيلة لمعاقبة الإعلامي على عمله وإضعاف قدرته على متابعة الشأن العام. وتضع هذه الممارسات ضمن نهج شعبوي، في تقديرها، يستخدم خطابا عن حرية التعبير، لكنه يتعامل بإقصاء مع الصحفيين والمؤسسات التي تراقب السلطة أو تعرقل طريقها إلى النفوذ.


وتخلص الافتتاحية إلى أن التعددية الإعلامية لا تُصان بالشعارات، بل بضمانات قضائية ومؤسساتية وسياسية ملموسة. ويشمل ذلك التحقيق الجاد في الجرائم ضد الصحفيين، ومنع الإفلات من العقاب، وحماية الإعلام من الدعاوى التعسفية، ورفض استبعاد الصحفيين من الفضاءات السياسية بسبب تحقيقاتهم. فحرية الصحافة، وفق هذا المنظور، ليست امتيازا لمؤسسة بعينها، بل شرط من شروط الرقابة العامة وحق الجمهور في معرفة كيفية ممارسة السلطة وتمويلها.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97954794/press-free...


: في نفس القسم