اعتبر جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، خلال كلمته أمام الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين في تشابل هيل بكارولاينا الشمالية يوم 2 شتنبر 2026، أن فكرة زوال الوظائف بشكل عام بفعل الذكاء الاصطناعي هي طرح غير واقعي. غير أن موقفه لا يعني بقاء مضمون الوظائف كما هو، بل يقوم على تمييز دقيق بين المهام القابلة للأتمتة والغاية التي تبقى من اختصاص الإنسان.
تقوم أطروحة هوانغ، بحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ، على أن الوظائف التي تتألف أساساً من "الكتابة والتحدث"، أي التحرير الروتيني، ومعالجة المعلومات، والتواصل المعياري، وإعداد الوثائق، وجزء من مهام التنسيق، ستشهد أتمتة متزايدة. لكن الوظيفة، في نظره، لا تختزل في هذه المهام وحدها، فهي تحمل أيضاً غاية وحكماً على السياق ومسؤولية ورابطاً بالأشخاص وقدرة على تحديد ما يهم فعلاً.
وبحسب هذا الطرح، يُرجح أن تشمل الأتمتة إدخال البيانات وتنسيقها وتلخيصها، وإعداد المسودات والترجمات والملخصات المعيارية، والبحث الوثائقي الأولي، والردود المتكررة على العملاء أو داخل المؤسسة، وتنفيذ الإجراءات المعروفة سلفاً. في المقابل، يبقى من اختصاص الإنسان تحديد الأولويات التحريرية أو الاستراتيجية، والمصادقة والمسؤولية القانونية والأخلاقية، وتقييم الجودة والتحيزات والموثوقية، وتدبير الحالات الاستثنائية والتفاوض والعلاقات، وتصميم الأطر والحكم والإشراف العام.
هذا التمييز يجعل من خطاب هوانغ رؤية "إعادة تركيب" للعمل لا رؤية استقرار مهني. فالقول بأن الوظائف "لن تتغير" أقوى وأكثر طمأنة من الطرح الفعلي، إذ قد تحافظ الوظائف على غايتها بينما تتغير أساليبها ومهاراتها المطلوبة وأعداد شاغليها وموازين القوى داخلها بشكل عميق. ويدافع هوانغ عن قراءة متفائلة قوامها فكرة "التعزيز"، أي أن كل عامل سيصبح مدعماً بمساعدين ووكلاء ذكاء اصطناعي، كما يشدد على الوظائف التي تخلقها الاستثمارات في مصانع الرقائق ومراكز البيانات و"مصانع الذكاء الاصطناعي"، بحسب تقرير TechXplore.
لكن قراءة هذا الخطاب تستدعي حذراً معيناً، إذ تقف إنفيديا في صميم الصعود الاقتصادي للذكاء الاصطناعي التوليدي وبنيته التحتية المادية، ما يجعل مصلحتها الصناعية متقاطعة بشكل طبيعي مع سردية ترى في التبني السريع للذكاء الاصطناعي ضرورة خالقة لفرص العمل تستوجب تسريعاً من الدول، كما أوردت Bizjournals. ومكمن الضعف في هذه السردية أنها قد تخلط بين ثلاثة مستويات مختلفة: التشغيل الإجمالي في الاقتصاد ككل، والمهنة بعينها التي قد تتقلص أو تُختزل مهاراتها أو تختفي، وظروف العمل التي قد تصبح أكثر كثافة أو معيارية أو ارتهاناً بعدد محدود من موردي الأدوات والنماذج، حتى مع بقاء الوظيفة نفسها قائمة.
بالنسبة إلى أي غرفة تحرير أو منصة إعلامية رقمية، تحمل هذه القراءة درساً عملياً واضحاً: الوكيل الذكي ليس تلقائياً متعاوناً مستقلاً، بل تتوقف قيمته على بيئة عمله. وهو ما يفرض بناء منظومة تحريرية متكاملة قوامها مدونة مصادر موثوقة وهرمية للمصداقية، وتوجيهات تحريرية واضحة بالعربية والفرنسية، وذاكرة للخيارات المصطلحية والزوايا والخط التحريري، وضبط الوصول إلى الأرشيف والتغذيات الإخبارية وقواعد البيانات ومؤشرات الأداء، وقواعد صارمة للاستشهاد والتأريخ والإشارة إلى الشك، إلى جانب مصادقة بشرية قبل النشر، خصوصاً في الأخبار الآنية والقضايا الجيوسياسية والدينية والمحتويات الحساسة. فالانتقال الحقيقي في القيمة لا يكمن في القدرة على توليد مقال، بل في التحكم في السياق والمصادر ومسار العمل والتحقق والهوية التحريرية.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...