يستعيد الصحفي والمدون والأستاذ الأميركي جيف جارفيس في كتابه الجديد «هوت تايب: الآلة العظيمة التي أنجبت الإعلام الجماهيري وأصابت مارك توين بالجنون» تاريخ آلة لينوتيب، بوصفها إحدى الأدوات التي أعادت تشكيل صناعة النشر والصحافة في أواخر القرن التاسع عشر. ويأتي الكتاب في سياق اهتمام جارفيس الطويل بصعود وسائل الإعلام الجماهيرية وتحولاتها اللاحقة، مع تركيز على الصلة بين التطور التقني ونماذج التمويل وأنماط تلقي المعلومات.
يرى جارفيس أن لينوتيب لم تكن مجرد آلة للطباعة، بل ابتكاراً مكّن الصحف والمجلات والكتب من الانتقال إلى إنتاج أوسع وأسرع. فقبل اكتمال ميكنة صناعة الإعلام، التي شملت المطابع البخارية والورق الرخيص المصنوع من لب الخشب والتلغراف ولينوتيب، لم يكن متوسط توزيع الصحيفة اليومية في الولايات المتحدة يتجاوز أربعة آلاف نسخة. وكانت عملية جمع الحروف والطباعة تعتمد بدرجة كبيرة على الجهد اليدوي، الأمر الذي فرض سقفاً على حجم الإنتاج وقدرة الصحف على التوسع.
ومع إدخال الميكنة، اتسعت الصحف من حيث عدد الصفحات وكمية المواد المنشورة والمساحات الإعلانية، كما ارتفعت قدرتها على الوصول إلى جمهور أكبر. وارتبط هذا التحول، وفق طرح جارفيس، بانتشار القراءة وازدياد حضور الصحف في الحياة العامة، بما جعل هذه المرحلة إحدى ركائز تشكل الإعلام الجماهيري. وتؤكد مصادر تعريفية بـالكتاب أن لينوتيب حوّلت عملية صف الحروف التي استمرت قروناً، من تركيب حرف واحد في كل مرة إلى إنتاج أسرع، وأسهمت في توسع نشر الصحف والكتب والمجلات.
غير أن التوسع الصناعي لم يكن تقنياً فحسب، بل احتاج إلى نموذج اقتصادي يضمن استمراره. ويشير جارفيس إلى أن ناشر صحيفة «نيويورك تريبيون» وايتلو ريد كان قد اعتبر عام 1879 أن الصحف لن تتجاوز ثماني صفحات، انطلاقاً من افتراض أن القراء لن يقبلوا محتوى أو إعلانات أكثر. لكن ناشر المجلات فرانك مانسي اختار الرهان على خفض سعر مجلته وتحمل الخسائر الأولية مقابل الاعتماد على الإعلانات، في نموذج أسهم في ترسيخ اقتصاد الانتباه الذي أصبح لاحقاً محوراً لتمويل الإعلام الجماهيري، ثم امتد أثره إلى الإنترنت.
ويعرض الكتاب كذلك الوجه الآخر لهذا النمو. فحين تحولت الصحافة إلى صناعة مربحة، تزايدت عمليات التركز وارتفعت قوة المؤسسات الكبرى وملاك وسائل الإعلام. وفي عام 1900، كانت مدينة نيويورك تضم 46 صحيفة يومية، قبل أن ينكمش العدد إلى ثلاث صحف فقط بحلول سبعينيات القرن العشرين، في ظل منافسة البث الإذاعي والتكنولوجيات الإعلامية المستجدة.
وفي حديثه عن مستقبل المطبوع، يميز جارفيس بين احتمال تراجع الصحف والمجلات الورقية وبين اختفاء الطباعة ذاتها. فهو يعتقد أن المنشورات الدورية قد تنتقل إلى الصيغ الرقمية، لكنه لا يرى أن الكتاب الإلكتروني أزاح الكتاب الورقي أو أن الطباعة فقدت حضورها. ويصف ما يجري بأنه إضافة وسيط جديد إلى المطبوع، لا إلغاء له.
ويضع جارفيس هذه التحولات ضمن ما سماه منظّرا الإعلام والتر أونغ ومارشال ماكلوهان «الشفهية الثانية»، أي عودة جزئية إلى مجتمع يعتمد المحادثة بدرجة أكبر من اعتماده على النص الثابت. ويظهر هذا المسار، بحسبه، في الإذاعة والتلفزيون، ثم في البودكاست ويوتيوب وتيك توك. ويعتبر أن هذه البيئة وسّعت إمكان الوصول إلى الجمهور، إذ لم يعد الوصول إليه مشروطاً بأن يكون الشخص كاتباً أو مالكاً لمطبعة. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن المجتمعات التي عاشت قروناً تحت تأثير ثقافة الطباعة تحتاج إلى استعادة مهارات الحوار والمحادثة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97775648/jeff-jarvi...