☰

جمعيات الإحسان بالمغرب وتونس بين الدين وإدارة الفقر


السبت 3 أكتوبر 2026 à 15:58 |



جمعيات الإحسان بين التبرع والسياسة العامة

تكشف دراسة تاريخية حديثة للباحث أنطوان بيرييه أن جمعيات الإحسان الإسلامية أدت دوراً محورياً في تنظيم مساعدة الفقراء بالمغرب وتونس خلال فترة الحماية، في ظل غياب دولة اجتماعية بالمعنى الحديث. واعتمدت هذه الجمعيات على وثائق عربية وفرنسية تكشف تداخلاً بين المرجعية الدينية، وإدارة الشأن الاجتماعي، والرقابة الاستعمارية، في مرحلة امتدت من عشرينيات القرن العشرين إلى سنة 1956.



نشأت هذه الجمعيات في سياق اتساع الفقر بفعل الأزمات الزراعية، والهجرة من الأرياف إلى المدن، وتراجع موارد الحرفيين، واندماج البلدين القسري في اقتصاد عالمي مضطرب. وكانت تقدم مساعدات متعددة، من توزيع الخبز والملابس، إلى إيواء المحتاجين والأيتام، ومنح الإعانات الظرفية أو الدورية. وفي الغالب، تولى الباشا في المدن رئاستها، إلى جانب موظفين وأعيان مسلمين، ضمن تنظيم هرمي لا يقوم على الانتخاب أو التمثيل الديمقراطي.


وتبين الدراسة أن هذه المؤسسات لم تكن مجرد أجهزة لتوزيع الإعانات، بل فضاءات أعادت فيها النخب المحلية تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المسلم. ففي الوثائق العربية، جرى تقديم مساعدة الفقراء باعتبارها واجباً دينياً يستند إلى الزكاة والصدقة والتكافل، فيما كانت الإدارات الفرنسية تنظر إلى نشاط الجمعيات من زاوية النظام العام، وحسن التدبير المالي، وإمكان احتواء التوترات الاجتماعية.


ويبرز مثال مراكش سنة 1934 هذا البعد بوضوح. فقد تقدم نحو أربعين من أعيان المدينة بعريضة عربية إلى الباشا يطالبون فيها بإنشاء جمعية للإحسان، في وقت كان الفقراء يتوافدون على المدينة بفعل سنوات القحط وتدهور الأحوال الاقتصادية. واستند أصحاب العريضة إلى نصوص دينية تجعل إغاثة المحتاجين مسؤولية تقع على عاتق الموسرين وأصحاب السلطة، وربطوا تأسيس الجمعية بتنظيم أعمال البر الفردية داخل إطار جماعي.


كما احتلت شخصية السلطان في المغرب، والبك في تونس، موقعاً مهماً في خطاب الإحسان. فقد صُوّر الحاكم في المراسلات العربية باعتباره نموذجاً للرعاية والشفقة، فيما تحولت رعايته الرمزية أو المباشرة للجمعيات إلى وسيلة لتأكيد الصلة بين السلطة والواجبات الاجتماعية. وفي تونس، ظهرت عرائض يرفعها أفراد إلى البك طلباً لمساعدة الجمعيات، ومنها طلبات تخص إيواء طلبة فقراء ومساعدة الأيتام، مع استدعاء فكرة الجزاء الأخروي المرتبط بالعطاء.


وتكشف المقارنة بين البلدين اختلافاً في استعمال اللغات والرسائل الموجهة إلى المتبرعين. فالمغرب عرف حضوراً أقوى للغة العربية في وثائق الجمعيات، بينما بدت تونس أكثر استعمالاً للفرنسية وأكثر انفتاحاً على الوثائق المطبوعة ذات الطابع المزدوج. وكانت الجمعيات التونسية تعد خطابات مختلفة تبعاً للجمهور؛ فتستعمل المرجعيات الإسلامية عند مخاطبة المسلمين، وتستدعي لغة إنسانية أو مسيحية عند توجيه النداءات إلى الفرنسيين، كما تعاونت أحياناً مع جمعيات يهودية في تنظيم أنشطة خيرية مشتركة.


غير أن الدراسة تشير إلى تحول تدريجي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تزايدت الإعانات العمومية، واتسع استعمال النماذج والبطاقات والقسائم، وأصبحت المساعدة أكثر ارتباطاً بالإدارة والتصنيف وتحديد المستفيدين. وبالتوازي، بدأت لغة العدالة الاجتماعية والمنفعة العامة تنافس مفردات الصدقة والإحسان، ولا سيما في تونس، حيث كان مسار التحديث الإداري وتدخل الدولة في المجال الاجتماعي أكثر تقدماً.


ولا يعني ذلك اختفاء المرجعية الدينية، بل تحول موقعها داخل العمل الاجتماعي. فقد بقيت الصدقة حاضرة في الخطاب والممارسة، إلا أن مسؤولية مواجهة الفقر أخذت تنتقل تدريجياً من مبادرات الأفراد والجماعات المحلية إلى مؤسسات مدعومة من الدولة. وتخلص الدراسة إلى أن جمعيات الإحسان مثلت مرحلة وسيطة بين واجب ديني فردي ومجتمعي، وبين تشكل سياسات عمومية لمساعدة الفقراء في المغرب وتونس عند نهاية عهد الحماية.


🔗 من شبكتنا

في السياق نفسه عن التضامن الأسري وكلفته الاجتماعية: كيف تُعمّق تكاليف الجنازات أعباء الفقر في إفريقيا.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98252473/charity-soc...


: في نفس القسم