قرأت أمس نصيحة تقول إن الإنسان يحتاج إلى أن يخصّص وقتاً من يومه لفعل شيء بلا هدف ولا فائدة ولا معنى. فأعجبتني النصيحة.
ليس لأنني ضدّ الهدف والفائدة والمعنى، بل لأنني بت أشعر بأننا نعيش في زمن لا يسمح لنا بأن نفعل شيئاً من دون هذه. كل دقيقة يجب أن تؤدي إلى نتيجة، كل نشاط يجب أن يحقّق جدوى، كل ساعة يجب أن نخرج منها بشيء. حتى وقت فراغنا لم يعد فارغاً.
نمشي لنحرق السعرات الحرارية. نقرأ لنوسّع ثقافتنا. نتأمل لنخفّف التوتر. نمارس الرياضة لنحسّن أجسامنا وصحتنا. نتعلّم لغة لنضيف مهارة إلى رصيدنا، ونمارس هواية لننمّي موهبة. حتى النوم صار استثماراً في أدائنا في اليوم التالي. أما الجلوس من دون فعل شيء، فبات يحتاج إلى تبرير. وإذا أطلقنا عليه اسم mindfulness، أصبح فجأة نشاطاً محترماً.
لا مشكلة عندي مع كل هذه الفوائد. المشكلة أن الفائدة صارت شرطاً. كأننا لم نعد نسمح لأنفسنا بإنفاق الوقت إلا إذا حصلنا على شيء في المقابل. وكأن كل ساعة من حياتنا مطالبة بأن تبرز إيصالاً يثبت أنها لم تذهب هدراً.
أنا مقتنعة بأن الإنسان بحاجة إلى أن يضيّع وقته. نعم، أن يضيّعه. عمداً، ومن دون شعور بالذنب. أن يجلس ويتفرّج على المارّة. أن يسرح بأفكاره من دون أن يصل إلى استنتاج. أن يتسكّع بلا وجهة، أو يتحدث في أمور تافهة، أو يفعل شيئاً عبثياً لا يعلّمه شيئاً ولا يطوّره ولا يجعله أفضل في أي مجال.
بل أذهب أبعد من ذلك: أعتقد أننا بحاجة إلى جزء من يومنا لا نعرف مسبقاً ماذا سنفعل به. وقت لا نضع له برنامجاً، ولا نحدّد له هدفاً، ولا نقيّم في نهايته إن كنا قد أحسنّا استخدامه. حتى الملل يجب أن يجد مكاناً في حياتنا، من دون أن نسارع إلى ملئه بنشاط «مفيد».
لا أريد أن أقول إن تضييع الوقت سيجعلنا أكثر سعادة أو ذكاءً أو إنتاجية. ربما يفعل، وربما لا. ليس هذا موضوعي أصلاً.
موضوعي أن الإنسان لا يجب أن يكون مشروعاً مستمراً للتحسين. وأن الحياة ليست امتحاناً في حسن استثمار الساعات.
أريد أن يكون في نهاري وقت بلا طعمة. لا أستفيد منه، ولا أتعلم فيه شيئاً، ولا أحقق من خلاله أي هدف.
وقت أضيّعه، بكل بساطة. لأنني أريد، وأستطيع، أن أضيّعه.
المصدر : https://www.mc-doualiya.com/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%...