جغرافيا سياسية للذكاء الاصطناعي (1): اندفاع أفريقيا نحو النماذج الصينية... مرآة للشركات الأوروبية


الاثنين 24 أغسطس/أوت 2026 à 09:45 |



يشهد سوق الذكاء الاصطناعي انقسامًا متزايدًا بين الصين والولايات المتحدة، وضعًا يهدد بوضع أوروبا في موقع التبعية إن لم تتحرك بشكل جماعي. المفارقة أن ما يحدث في أفريقيا اليوم يعكس ما بدأت تواجهه الشركات الأوروبية نفسها: مطور أوغندي يُدعى إرنست موبازي، عمل سابقًا باحثًا في Google، اختبر النماذج الأمريكية والصينية قبل أن يعتمد على نموذج Alibaba بدلًا من Meta أو Google لبناء نظام "Sunflower" للمساعدة الزراعية بلغات محلية. الآلية التي يصفها -نموذج صيني مفتوح ومجاني في مقابل نموذج أمريكي مغلق ومدفوع- لها انعكاس مباشر في أوروبا، حيث أوقفت واشنطن وصول المستخدمين غير الأمريكيين إلى Fable 5 وMythos 5، أقوى نماذج شركة Anthropic، بقرار إداري مرتبط بأسباب أمنية، قبل أن يُستعاد الوصول جزئيًا لاحقًا. وأي شركة تستأجر قدرتها الحاسوبية بدلًا من امتلاكها -في أوروبا كما في أفريقيا- تبقى رهينة هذه التبعية، حتى لو اختارت نموذجًا مفتوح الوزن غير أوروبي، إذ يبقى زمام التدريب والتحديثات بيد الصين.



استراتيجيتان للانتشار، سباق واحد نحو التبني: على منصة OpenRouter التي تتيح الوصول إلى أربعمائة نموذج، باتت الأنظمة الصينية تمثل قرابة نصف الاستخدام الإجمالي، مقابل أقل من الربع قبل عام واحد فقط، وفق تحليل لصحيفة نيويورك تايمز شمل ثمانية ملايين حساب. المؤشر نفسه يتكرر في التحميلات على منصة Hugging Face، حيث يأتي تسعة عشر من أصل خمسة وعشرين نموذجًا مفتوح الوزن الأكثر تحميلًا من مختبرات صينية. هذه المختبرات، المستبعدة من أحدث الرقائق بفعل قيود التصدير الأمريكية، جعلت من إتاحة النماذج مجانًا سلاحًا تنافسيًا بحد ذاته لا مجرد خيار تقني. ونشرت شركات Z.ai وMoonshot AI وAlibaba وMiniMax تباعًا خلال يوليو 2026 نماذج تجمع بين قدرات الاستدلال والوزن المفتوح، أبرزها GLM-5.2 وKimi K3 وMiniMax M3. في المقابل، أصدرت OpenAI نموذجي gpt-oss-120b وgpt-oss-20b برخصة Apache 2.0، وتواصل Meta تطوير منظومة Llama المفتوحة، فيما تطرح Google نسخًا من Gemma للتشغيل المحلي، إلا أن أقوى الأنظمة التجارية للمختبرات الأمريكية تبقى مغلقة ومدفوعة، ما يمنح النماذج الصينية أفضلية التكلفة والتخصيص في الشريحة التي تعتمد عليها الشركات غير الأمريكية أكثر من غيرها.


أوروبا: سوق للتوزيع أكثر منها مركزًا للإنتاج؟ أصدرت شركة Mistral الفرنسية نموذجها "Large 3" برخصة Apache 2.0، في إثبات على قدرة شركة أوروبية على إنتاج نموذج تأسيسي ذي وزن عالمي، وهي تطور اليوم أنظمة تمتد من البرمجة إلى الكلام والمستندات والاستدلال الرياضي والروبوتات. كما تبني مراكز حوسبة خاصة بها في مدينتي Les Ulis وBruyères-le-Châtel لتقليص اعتمادها على مزودي الحوسبة الأمريكيين الكبار، ووسّعت شراكتها مع Microsoft بما يتيح للشركات الأوروبية نشر نماذجها دون الاعتماد الحصري على سحابة Azure. وتعلن المفوضية الأوروبية عن تسعة عشر "مصنع ذكاء اصطناعي" عاملًا وثلاث عشرة محطة فرعية على مستوى الاتحاد، مع مصانع عملاقة قيد الإنشاء، وقد أطلقت بروكسل في نهاية يوليو 2026 طلب عروض لسبع مصانع عملاقة بتمويل عمومي قدره عشرة مليارات يورو يستهدف جذب عشرين مليار يورو من الاستثمار الخاص، وهو مبلغ يبقى أدنى بكثير من الميزانيات التي تخصصها شركات الحوسبة الأمريكية الكبرى في سنة واحدة فقط.


فجوة التمويل مقابل فجوة الأداء: تنشر الشركات الأمريكية المدرجة في البورصة رأسمالها المستثمر في الذكاء الاصطناعي بشكل مدقق كل ثلاثة أشهر ضمن نتائجها المودعة لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية (SEC). ووفق تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد، بلغت الاستثمارات الخاصة الأمريكية 285.9 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل 23 ضعف المبلغ المعلن صينيًا والبالغ 12.4 مليار دولار. غير أن التقرير نفسه يشير إلى أن صناديق التوجيه الحكومية الصينية ضخت نحو 184 مليار دولار في شركات الذكاء الاصطناعي بين عامي 2000 و2023، خارج حساب الاستثمارات الخاصة، وما يصل إلى 912 مليار دولار في مجمل القطاعات الاستراتيجية على مدى عقدين. الرقم الأمريكي يمكن التحقق منه بندًا ببند، أما التمويل الحكومي الصيني فيبقى تقديريًا لغياب التزام مماثل بالنشر. ومع ذلك، يقيس التقرير ذاته تقلص الفارق في الأداء بين أفضل النماذج الصينية والأمريكية إلى 2.7% فقط في مارس 2026، مقابل ما بين 17.5% و31.6% في 2023، وهو تقارب تعزوه ستانفورد إلى كفاءة الفرق الصينية والدعم الحكومي المكثف أكثر من مجرد حجم الاستثمار. غير أن لين جونيانغ، المسؤول التقني عن نموذج Qwen في Alibaba، يرى أن احتمال تفوق شركة صينية على OpenAI أو Google DeepMind خلال ثلاث إلى خمس سنوات مقبلة يبقى أقل من 20%، ويعزو ذلك إلى تفوق القدرة الحاسوبية المتاحة في الولايات المتحدة بمقدار رتبة إلى رتبتين من الحجم.


وقد استعرض الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التقارب خلال مؤتمر عُقد في شنغهاي في يوليو 2026، قدّم فيه النماذج الصينية باعتبارها أكثر موثوقية وأقل كلفة، وحيث وقّعت كينيا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا وسبع دول أفريقية أخرى ميثاق تعاون في مجال الذكاء الاصطناعي مع الصين، وهو نص سياسي دون بند تمويلي مرتبط به. من جهة الولايات المتحدة، تصل المبالغ المرصودة للبنية التحتية أحيانًا إلى مئات المليارات من الدولارات على مدى سنوات دون إمكانية التحقق من الجزء المُنفق فعليًا وقت الإعلان. وخلافًا لموجات تكنولوجية سابقة كالحوسبة الشخصية أو الإنترنت، حيث لم يترتب عن التأخر الأوروبي ثمن لا رجعة فيه لغياب أي ميزة تراكمية صعبة السد، يخضع الذكاء الاصطناعي لمنطق مختلف: فالجهات التي تطوره تراكم مع كل دورة تدريب وكل نشر إنتاجي مزيدًا من البنية التحتية والكفاءات وبيانات الاستخدام والخبرة، ما يوسع الفجوة بدل أن يقلصها مع الوقت. هذا المنطق ذاته يهدد بالانسحاب على قطاع الروبوتات، حيث تعمل Mistral فعلًا، بوصفه أحد الأسواق المقبلة. وهذا ما يحوّل التبعية التكنولوجية العادية إلى تبعية رقمية دائمة، إذ يحدد الموقع الحالي هامش المناورة المستقبلي. تتناول الحلقات الخمس المقبلة من هذه السلسلة كل جبهة من جبهات هذه المعركة على حدة: النماذج ووزنها المفتوح، أشباه الموصلات، مراكز البيانات والسحابة، العراقيل المؤسساتية التي تُبطئ استجابة أوروبية موحدة، وأخيرًا الميزانيات المرصودة فعليًا من الجانبين. التحقيق الكامل منشور على موقع IT Social.




المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...


: في نفس القسم