المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

جسد يعمل: سؤال الكرامة في سينما ليلى كيلاني


الاربعاء 16 سبتمبر 2026 à 16:53 |




تدخل الفتاة المصنع في طنجة قبل الفجر، ورائحة السمك تلتصق بيديها ولن تفارقها حتى بعد الاستحمام. تعمل بسرعة لا ترحم، تفرز، تقطّع، تعبّئ، بينما يراقبها المشرف من بعيد. في المساء تعود إلى غرفتها الضيقة، تغسل جسدها من رائحة النهار، لكنها تعرف أن الغد سيعيد الكرة. هذا هو المشهد الذي تفتتح به المخرجة المغربية ليلى كيلاني فيلمها "على الحافة" (2011)، الذي يتابع نساء شابات يعملن في مصانع الأسماك بطنجة، بين نهار مكرَّس للإنتاج وليل مكرَّس لأحلام لا تكتمل.



السؤال: هل يظل الجسد الذي تستهلكه المصانع ساعاتٍ طويلة كل يوم جسدًا حرًا، أم يتحول إلى مجرد أداة في خدمة الإنتاج؟


طرحت الفلسفة الظاهراتية، خصوصًا عند موريس ميرلو-بونتي، فكرة أن الجسد ليس أداة يمتلكها الوعي من الخارج، بل هو الطريقة التي نكون بها في العالم: أنا لا أملك جسدي، أنا جسدي. لكن هذا الطرح يفترض شروطًا لا تنطبق بسهولة على عاملات المصنع اللواتي يصوّرهن فيلم كيلاني؛ فحين يُختزل الجسد في وظيفته الإنتاجية، يبدو وكأنه يُنتزع من صاحبته ليصبح ملكًا لخط الإنتاج نفسه. ومع ذلك، لا يكتفي الفيلم بعرض هذا الاغتراب: بطلاته يهرّبن قطعًا من الملابس الفاخرة التي يصنعنها لأنفسهن، في فعل صغير يعيد للجسد بعض سيادته المسروقة.


قد يعترض قارئ بأن هذه القراءة الفلسفية تُجمّل واقعًا اقتصاديًا قاسيًا لا مجال فيه لاستعادة سيادة رمزية، وأن التركيز على المعنى الفلسفي للجسد قد يُنسي هشاشة الشروط المادية لهذا العمل نفسه.


تندرج تجربة عاملات طنجة ضمن سياق أوسع تناقشه الكاتبة ريم مجدي في مقالها المنشور على منصة A-Desk، حيث تقارن بين أربع مخرجات مغربيات جعلن الجسد محور أفلامهن الأولى، من التشيؤ الاقتصادي عند كيلاني إلى التصالح الروحي عند فريدة بنلحسن في "باب السماء". هذا التنوع يكشف أن السؤال عن الجسد في السينما المغربية لا يُختزل في إجابة واحدة، بل يتفرع بحسب الطبقة والمكان والزمن.


يبقى السؤال مفتوحًا عمّا إذا كانت استعادة الكرامة داخل شروط العمل القاسية ممكنة فعلًا، أم أنها مجرد لحظة عابرة تُخفي استمرار الاستغلال. فيلم كيلاني لا يقدّم حلًا، ويكتفي بأن يُري المشاهد جسدًا يقاوم بصمت، دون أن يعرف أحد، لا العاملة ولا المتفرج، إن كانت هذه المقاومة كافية.


للقراءة والمشاهدة: - فيلم "على الحافة" (Sur la planche)، إخراج ليلى كيلاني، 2011. - ريم مجدي، مقالها حول الجسد والنظرة النسائية في السينما المغربية على منصة A-Desk (رابط مضمن أعلاه).




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98043458/jas...



Rss
Twitter
Newsletter