شهد وسط العاصمة تونس، مساء الخميس 20 أغسطس/آب، تحركاً احتجاجياً شارك فيه مئات المواطنين بدعوة من ائتلاف «نَفَس»، الذي يضم أطرافاً من المجتمع المدني. ورفع المحتجون شعارات تندد بما يعتبرونه تضييقاً سياسياً متواصلاً، وبالتدهور المتسارع للظروف الحياتية خلال صيف اتسم بأزمات متداخلة.
وتلخصت أبرز مطالب المحتجين في قضايا يومية مباشرة: العطش، والظلام، والمرض. وهي كلمات تختصر واقعاً يصفه كثير من التونسيين بنقص مياه الشرب، وتكرر انقطاع التيار الكهربائي، وصعوبة تأمين بعض الأدوية، فضلاً عن اضطراب توافر المنتجات الأساسية. وقد جاءت المسيرة لتربط بين هذه المعاناة الاجتماعية وبين الانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارة السلطة للأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد.
لا يبدو أن الاحتجاجات تدور فقط حول ظرف صيفي عابر أو خلل تقني محدود. فحين يتحول الحصول على الماء والكهرباء والدواء إلى مصدر قلق يومي، يصبح التوتر الاجتماعي أكثر عمقاً، لأن المواطن يلمس الأزمة داخل البيت وفي تفاصيل الحياة الأساسية، لا في المؤشرات الاقتصادية المجردة وحدها.
ويعكس حضور هذه الملفات في الشارع شعوراً متزايداً بفقدان الأفق. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع كلفة المعيشة، أو انقطاع الخدمات، أو ندرة بعض المنتجات، ينتظر إجابات عملية وإدارة شفافة للأزمات. وفي غياب ذلك، تتراكم مشاعر الغضب والإحباط، حتى لو لم تتحول فوراً إلى احتجاجات واسعة أو حركة سياسية مستدامة.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة لوموند عن المعارض التونسي عز الدين الحزقي قوله إن البلاد «تختنق»، معتبراً أن غياب المشاريع والرؤية الواضحة يدفع تونس نحو حالة من الفوضى. ويكتسب هذا التصريح دلالة خاصة بالنظر إلى مسار الرجل، الذي عارض نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي منذ ستينيات القرن الماضي، قبل أن يجد نفسه اليوم شاهداً على سجن ابنه في سياق سياسي جديد.
تواجه المعارضة التونسية صعوبات كبيرة في تحويل الاحتقان الاجتماعي إلى برنامج سياسي قادر على تعبئة قطاعات واسعة من السكان. فجزء من رموزها يقبعون في السجن أو يواجهون أحكاماً قضائية ثقيلة، فيما تعاني أطراف أخرى من التشرذم وضعف التنسيق والابتعاد عن هموم الفئات الشعبية التي تبحث أولاً عن حلول ملموسة لأزماتها اليومية.
ومن أبرز القضايا التي ترمز إلى هذا الوضع ما يُعرف بملف «التآمر على أمن الدولة»، الذي صدرت في إطاره أحكام قاسية ضد عدد من الشخصيات المعارضة. ويقبع جوهر بن مبارك، نجل عز الدين الحزقي، رهن الاحتجاز منذ فبراير/شباط 2023، وقد حُكم عليه بالسجن 20 عاماً ضمن هذه القضية، بحسب ما أوردته الصحيفة الفرنسية.
وتؤدي هذه الظروف إلى مفارقة واضحة: فكلما زادت أسباب التذمر الشعبي، بدا المجال المتاح للتعبير السياسي المنظم أضيق. لذلك لا تعني كثرة الشكاوى بالضرورة وجود معارضة قادرة على تأطيرها، أو على تقديم بديل سياسي مقنع، أو على استعادة الثقة لدى المواطنين الذين قد يتجنب كثير منهم الانخراط العلني بسبب الخوف أو اليأس أو فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين.
تكشف التحركات الأخيرة أن الأزمة التونسية لم تعد تُقرأ فقط من خلال صراع بين السلطة والمعارضة، بل أيضاً باعتبارها أزمة خدمات ومعيشة وثقة. فالمطالب المتعلقة بالماء والكهرباء والدواء تحمل بعداً سياسياً لأنها ترتبط بقدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة والاستقرار اليومي.
ومن المرجح أن يظل المشهد مفتوحاً على احتمالين متوازيين:
استمرار الاحتجاجات المحلية أو القطاعية حول نقص الخدمات وارتفاع الضغوط المعيشية. بقاء المعارضة في موقع محدود التأثير ما لم تتمكن من توحيد صفوفها، والاقتراب أكثر من المطالب الاجتماعية اليومية، وصياغة خطاب عملي يتجاوز الشعارات العامة.يبقى السؤال الأساسي في تونس: هل يمكن للسخط الاجتماعي المتراكم أن يتحول إلى دينامية سياسية منظمة؟ حتى الآن، توحي الوقائع بأن الغضب موجود في الشارع، لكن القناة السياسية التي تستطيع تحويله إلى تغيير فعلي ما زالت ضعيفة ومكبّلة، بحسب ما خلص إليه تقرير صحيفة لوموند.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97768373/t...