البرنامج تناول قضايا محددة تتعلق بطرق الوصول إلى الفئات الشابة عبر المنصات الرقمية، وهي نقطة تشغل أجهزة الأمن في المنطقة مع تغير أنماط استهلاك المعلومات. البيانات المتداولة داخل الجلسات أشارت إلى أن الفئة العمرية دون 30 عاماً تمثل النسبة الأكبر من مستخدمي المنصات الاجتماعية في عدد من الدول العربية، ما يجعل القنوات التقليدية أقل تأثيراً في حملات التوعية. هذا المعطى دفع المشاركين إلى بحث أدوات جديدة، تشمل المحتوى القصير والتفاعلي، إضافة إلى توظيف المؤثرين الرقميين ضمن استراتيجيات الاتصال الأمني.
جانب آخر من النقاش خُصص لعرض تجارب وطنية في استخدام الإعلام لمكافحة الإرهاب، حيث تم تقديم نماذج من حملات رقمية اعتمدت على سرديات مضادة لخطاب التطرف، مع التركيز على تفكيك الرسائل الدعائية للجماعات المتشددة. بعض هذه التجارب، وفق ما عرضه المشاركون، اعتمدت على التعاون بين الأجهزة الأمنية ومؤسسات إعلامية مستقلة، في محاولة لتعزيز مصداقية الرسالة لدى الجمهور.
الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، محمد بن علي كومان، وضع الذكاء الاصطناعي في صلب النقاش، معتبراً أنه يمثل تحدياً مزدوجاً للأجهزة الأمنية. من جهة، يوفر أدوات لتحسين إيصال الرسائل التوعوية وتحليل البيانات، ومن جهة أخرى يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الجريمة، مثل التزييف العميق وتقليد الأصوات وفبركة المحتوى المرئي. تقارير حديثة صادرة عن الإنتربول حول الجرائم الرقمية 2025 تشير إلى ارتفاع ملحوظ في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاحتيال الرقمي، وهو ما يعزز المخاوف المطروحة داخل المؤتمر.
في المقابل، عرضت بعض الوفود تجارب في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات الرأي العام ورصد الشائعات في الزمن الحقيقي، وهي أدوات أصبحت جزءاً من منظومة الإنذار المبكر لدى أجهزة الأمن. هذه التطبيقات تعتمد على معالجة كميات ضخمة من البيانات المنشورة عبر المنصات، ما يتيح التدخل السريع لتصحيح المعلومات أو توجيه رسائل توعوية دقيقة.
رئيس المؤتمر، محمد أبو عبد الله رجب من ليبيا، ركز على البعد المؤسسي للإعلام الأمني، معتبراً أنه أداة لربط العلاقة بين المواطن والأجهزة الأمنية، وليس مجرد قناة لنقل الأخبار. هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً في فلسفة الاتصال الأمني داخل المنطقة، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على الإبلاغ، بل يشمل بناء الثقة وتعزيز المشاركة المجتمعية في الوقاية من الجريمة.
مشاركة ممثلين عن مؤسسات مثل جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية واتحاد إذاعات الدول العربية أضفت بعداً أكاديمياً ومهنياً على النقاش، خاصة في ما يتعلق بتطوير المناهج التدريبية وتأهيل الكوادر المتخصصة في الإعلام الأمني. هذه المؤسسات تعمل على إنتاج دراسات مقارنة حول فعالية الحملات الإعلامية الأمنية، وهو مجال لا يزال يعاني من نقص في البيانات المنشورة بشكل منتظم.
اللافت في مداولات المؤتمر هو التركيز المتزايد على مواجهة المعلومات المضللة، والتي باتت تشكل تحدياً يومياً للأجهزة الأمنية. منصات التواصل أصبحت بيئة خصبة لانتشار الشائعات بسرعة عالية، ما يفرض على الأجهزة تطوير آليات استجابة فورية. دراسات صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة 2024 تشير إلى تراجع الثقة في الأخبار الرقمية في عدة دول، وهو عامل يزيد من تعقيد مهمة الإعلام الأمني.
المؤتمر يعكس اتجاهاً عاماً نحو دمج أدوات التكنولوجيا الحديثة في العمل الأمني، مع إدراك متزايد بأن فعالية هذه الأدوات تعتمد على قدرتها على التكيف مع سلوك الجمهور. التحدي المطروح حالياً لا يتعلق فقط بتبني التكنولوجيا، بل بكيفية استخدامها ضمن استراتيجيات اتصال دقيقة تأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل دولة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97364572/arab-secur...