تشهد تونس في السنوات الأخيرة عودة متكررة للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، مع تصاعد الدعوات المناهضة للرئيس قيس سعيّد، في سياق يعكس تحولات عميقة منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي. هذا المسار لا يمكن قراءته باعتباره "عودة إلى نقطة الصفر" بقدر ما هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية معقدة، تداخلت فيها خيارات داخلية وضغوط خارجية، وأدت إلى إعادة تشكيل تدريجية لطبيعة النظام السياسي.
منذ 2011، دخلت تونس تجربة انتقال ديمقراطي اعتُبرت استثنائية في المنطقة، حيث تم اعتماد دستور جديد سنة 2014 وتنظيم انتخابات تعددية. غير أن هذا المسار اصطدم بسرعة بإكراهات بنيوية، أبرزها ضعف النمو الاقتصادي، وتراجع الاستثمار، واستمرار البطالة، خصوصاً في المناطق الداخلية. وفق بيانات البنك الدولي، ظل معدل النمو خلال العقد الأخير محدوداً، متأثراً بعدم الاستقرار السياسي وتراجع السياحة والاستثمار الخارجي، إضافة إلى صدمات مثل جائحة كوفيد-19.
في المقابل، ارتفعت المديونية العمومية بشكل ملحوظ، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انتقالها من مستويات تقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي في بداية العقد الماضي إلى ما يفوق 80% في السنوات الأخيرة. هذا التدهور المالي ترافق مع ضغوط متزايدة على المالية العمومية، وصعوبات متكررة في التوصل إلى اتفاقات تمويلية دولية، ما جعل البلاد على حافة اختلالات مالية في أكثر من مناسبة، دون الوصول إلى حالة تعثر فعلي حتى الآن.
وفي ما يخص سوق الشغل، تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى استقرار معدل البطالة في تونس عند نحو 15.2% خلال الربع الأخير من سنة 2025، في تراجع طفيف مقارنة بـ15.4% في الربع السابق له. غير أن هذا المعدل العام يخفي تفاوتات حادة، إذ تظل نسب البطالة أعلى بكثير بين خريجي التعليم العالي وفئة الشباب، خاصة في المناطق الداخلية.
سياسياً، عرفت البلاد مرحلة من التعددية الحزبية والصراع بين مؤسسات الحكم، خاصة بين رئاسة الجمهورية والبرلمان، إضافة إلى دور فاعلين مثل الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT)، الذي ظل لاعباً مركزياً في التوازنات الاجتماعية والسياسية. هذا التعدد، رغم كونه مؤشراً على انفتاح سياسي، أدى في كثير من الأحيان إلى حالة من الشلل الحكومي وصعوبة تنفيذ إصلاحات اقتصادية مؤلمة.
في 25 يوليو 2021، أعلن الرئيس قيس سعيّد سلسلة إجراءات استثنائية شملت تجميد البرلمان ثم حله لاحقاً، وإعادة صياغة الدستور، ما اعتبره أنصاره "تصحيحاً للمسار"، بينما وصفته أطراف أخرى بأنه انزلاق نحو تركيز السلطة. هذه التحولات تعكس تحوّلاً من نموذج تعددي غير مستقر إلى نموذج أكثر مركزية، لكنه لا يزال يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية حادة.
القراءة التي تختزل التجربة التونسية في فشل شامل أو في مقارنة مباشرة مع فترة ما قبل 2011 تبقى محل جدل. فبينما تشير بعض المؤشرات الاقتصادية إلى تراجع نسبي مقارنة بسنوات الاستقرار السلطوي، يرى محللون أن تلك المقارنة تتجاهل اختلاف السياقات، بما في ذلك الانفتاح السياسي، وحرية التعبير، والضغوط الاجتماعية المتراكمة التي لم تكن ظاهرة بنفس الشكل سابقاً.
كما أن دور الفاعلين المختلفين، من أحزاب سياسية إلى منظمات نقابية ومدنية، يظل محل نقاش، بين من يعتبره عاملاً في تعطيل الإصلاح، ومن يراه تعبيراً عن توازنات ديمقراطية ضرورية. في هذا السياق، لا يوجد إجماع حاسم حول تقييم "الربيع العربي" في تونس، بل تتقاطع قراءات متعددة بين من يركز على المكاسب السياسية ومن يشدد على الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.
إقليمياً، تبدو الحالة التونسية جزءاً من مسار أوسع شهدته عدة دول عربية منذ 2011، حيث لم تؤد التحولات السياسية دائماً إلى استقرار اقتصادي سريع، بل كشفت عن هشاشة نماذج التنمية السابقة. ومع ذلك، تختلف النتائج بشكل كبير من بلد إلى آخر، ما يجعل التعميم محدود الدقة.
تواجه تونس اليوم معادلة معقدة: الحاجة إلى استقرار سياسي قادر على تنفيذ إصلاحات اقتصادية، مقابل الحفاظ على حد أدنى من التعددية والمشاركة. الاحتجاجات المتجددة تعكس استمرار فجوة الثقة بين جزء من المجتمع والسلطة، وهي فجوة لم تُحسم بعد، ما يترك مستقبل البلاد مفتوحاً على عدة سيناريوهات.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...