تكشف السجالات الدائرة داخل وكالة الأسوشييتد برس حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عن لحظة مفصلية في تطور المهنة، حيث يتواجه تصوران مختلفان لطبيعة العمل الصحفي وحدود ما يمكن تفويضه للآلات. فقد أثارت رسائل داخلية منسوبة إلى المسؤولة عن مبادرات الذكاء الاصطناعي في الوكالة أيمي راينهارت استياء عدد من الصحفيين، بعد أن دافعت عن نموذج يقوم فيه المراسل بجمع المعطيات والاقتباسات في الميدان ثم يكتفي بتغذيتها في نموذج لغوي كبير يتولى صياغة الخبر أو مسودته الأولية. رأت راينهارت أن مهارتي التغطية الميدانية والكتابة لا تجتمعان دائماً في الشخص نفسه، وأن كثيرا من المحررين يفضلون أن يركّز الصحفيون على جمع المعلومات بينما تتولى الخوارزميات الجزء الكتابي الأقل إبداعاً في الأخبار الروتينية. هذا الطرح قوبل بردود حادة من صحفيين داخل الوكالة تحدثوا عن شعور بالإهانة والاستخفاف بكتابة البشر، معتبرين أن وضوح الأسلوب وقوة الصياغة جزء لا يتجزأ من جوهر الصحافة، وليس مجرد ملحق تقني يمكن الاستغناء عنه.
وراء هذا الجدل الجزئي تلوح معالم نقاش أوسع في غرف الأخبار حول العالم بشأن المسافة المقبولة بين الأتمتة والعمل التحريري، في وقت تعقد فيه مؤسسات إعلامية عديدة اتفاقات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لتوفير محتواها مقابل عوائد مالية. تنطلق هذه المؤسسات من قناعة بأن الحصول على مقابل لاستخدام أرشيفها الإخباري أفضل من تركه عرضة للاستغلال المجاني، وبأن تغذية النماذج بمحتوى مهني قد تحدّ من انزلاقها نحو مصادر رديئة ومتدنية الجودة. وفي الوقت نفسه تتسارع وتيرة إدخال أدوات مساعدة تعتمد الذكاء الاصطناعي إلى سير العمل اليومي داخل غرف الأخبار، بينما يتعامل جزء كبير من الصحفيين مع هذه التحولات بكثير من الحذر والقلق على المستقبل المهني.
تتبدى الفجوة بوضوح بين نظرة الصحفيين الميدانيين ونظرة القيادات الإدارية والإعلامية العليا. فالكثير من المحررين والمراسلين ينظرون إلى الأدوات الجديدة باعتبارها تهديداً محتملاً أو حتمياً لوظائفهم، ويخشون أن تتحول من وسائل مساعدة إلى بديل فعلي عن بعض المهام التحريرية. في المقابل يتحدث مديرون تنفيذيون بلغة أشد تفاؤلاً وحسمًا حيال تبني الذكاء الاصطناعي، إذ عبّر الرئيس التنفيذي لمجموعة أكسل شبرينغر ماتياس دوفنر خلال فعالية “الثقة في الإعلام” التي نظمتها منصة سِمافور عن ثقته في مستقبل قطاع الإعلام انطلاقاً من الفرص التي توفرها هذه التقنيات، قبل أن يذهب في اجتماعات داخلية مع صحفيين في “بزنس إنسايدر” و“بوليتيكو” إلى القول إن المؤسسات التي لن تواكب هذا التحول مرشحة للتراجع وربما الفشل.
مع ذلك، يبدو الصحفيون في الوقت الراهن أقل تعرضاً لبعض أشكال التهديد التقني مقارنة بمهن أخرى تعتمد بصورة أكبر على المهام المكتبية القابلة للأتمتة الكاملة. فجزء أساسي من العمل الصحفي يقوم على بناء علاقات ثقة طويلة الأمد مع المصادر القادرة على تزويد المراسلين بمعلومات لا يمكن الوصول إليها عبر البحث المفتوح أو قواعد البيانات. هذه الشبكات غير المرئية من العلاقات، وما تقتضيه من حس مهني وتقدير للمخاطر والسياقات، تصعب محاكاتها خوارزمياً حتى في ظل التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي الوقت نفسه، يلفت بعض المراقبين إلى تهديد أقل مباشرة يتمثل في تغيير نماذج توزيع الجمهور وتراجع الزيارات القادمة من محركات البحث والمنصات الاجتماعية، وهو ما وصفته تحليلات صحفية أمريكية بـ“انكماش حركة المرور الرقمية” الذي يصيب مؤسسات كبيرة وصغيرة على السواء.
داخل هذا المشهد المتقلب، تظهر طبقة من التطبيقات العملية التي تحظى بقبول أوسع نسبياً داخل غرف الأخبار، لأنها لا تدّعي استبدال الصحفي بل تسعى إلى توسيع قدرته على الوصول إلى المعلومات ومعالجتها. ففي عام ٢٠٢٤ تعاونت منصة سِمافور مع “مايكروسوفت” لتطوير أداة تجميع أخبار باسم “سيغنالز” تساعد في اكتشاف تقارير منشورة بلغات غير إنجليزية لا تظهر بسهولة في نتائج البحث التقليدية، ما يفتح أمام المحررين نافذة أوسع على تغطيات محلية وإقليمية متخصصة. كما كشف “نيمان لاب” أن “نيويورك تايمز” طورت داخلياً أداة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتلخيص محتوى تسجيلات صوتية وبرامج حوارية تُنتج داخل ما يوصف أحياناً بـ“المانوسفير”، بما يسمح للصحفيين بمتابعة حجم هائل من المواد دون الاستماع الكامل لكل حلقة.
إلى جانب ذلك تعتمد مؤسسات كـ“نيويورك تايمز” و“ذي نيويوركر” على أنظمة قراءة آلية لتقديم نسخ صوتية من موادها المكتوبة، بحيث يحصل القارئ على نسخ مسموعة لمواد صحفية أصلية صاغها بشر ثم تولت أصوات صناعية قراءتها. كما أصبحت خدمات التفريغ النصي التلقائي للمقابلات والندوات أداة أساسية في عمل كثير من المراسلين، بعدما اختزلت ساعات من العمل اليدوي في دقائق معدودة، وأتاحت لهم مراجعة كم أكبر من المعطيات وتسريع وتيرة إعداد المواد. هذه الفئة من الأدوات تُعدّ “إضافية” بالمعنى الوظيفي، إذ تمنح الصحفيين قدرة أوسع على البحث والتلخيص والتنظيم البصري للبيانات من دون أن تصادر قرارهم التحريري أو تعيد تعريف هويتهم المهنية.
انطلاقاً من هذا الواقع، يميل بعض المحللين إلى الدعوة لنهج براغماتي يقوم على استثمار ما يتقنه الذكاء الاصطناعي اليوم من تلخيص جماعي، وبحث سريع في المواد المتناثرة، وتوليد أشكال بصرية للمعطيات، بدلاً من التركيز حصراً على نماذج كتابة آلية تحاول محاكاة الأسلوب البشري في الأخبار والتحليلات. مثل هذا التوجه يتيح لغرف الأخبار توسيع نطاق التغطية، خصوصاً في البيئات المتعددة اللغات أو في المساحات الرقمية التي يتكاثر فيها المحتوى إلى حد يصعب تتبعه من دون أدوات مساعدة. كما يوفر إطاراً أوضح للتفاوض مع شركات التقنية حول استخدام الأرشيف الصحفي، بحيث يُنظر إلى المحتوى الإخباري بوصفه مادة عالية القيمة تحتاج إلى حماية قانونية ومقابل مالي عادل عندما تُستخدم في تدريب النماذج. في المحصلة، يبدو أن مستقبل العلاقة بين الصحفيين والخوارزميات لن يُحسم بشعار “مقاومة عبثية” أو “تبنٍ غير مشروط”، بل عبر إعادة رسم دقيقة لحدود التعاون بين الإنسان والآلة داخل غرفة الأخبار.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95380295/toazn-hthr...


