أظهرت معطيات متطابقة متداولة خلال الأيام الأخيرة مقطع فيديو يوثق مداخلات لوفد من قيادات جبهة البوليساريو داخل مقر السفارة الإيرانية في الجزائر، خلال مجلس عزاء أقيم عقب وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في مشهد اعتبره متابعون مؤشرا إضافيا على تشابك قنوات التواصل بين الحركة الانفصالية ودوائر إيرانية وميليشيات مسلحة مرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة. ويظهر في التسجيل أفراد من الوفد يعلنون بشكل صريح وجود تنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفصائل محسوبة على هذا المحور، مع الترويج لفكرة تحويل جزء من نشاطهم نحو حملات تعبئة واحتجاج أمام سفارات الولايات المتحدة بهدف إظهار دعم لإيران في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين
وبحسب المادة المرفقة التي تم تداولها عبر منصات رقمية مختلفة، يربط أحد المتحدثين من أعضاء الوفد بين ما يصفه بمعركة الوجود التي تخوضها الجبهة وبين تموضعها ضمن شبكة أوسع تضم مجموعات مسلحة في المنطقة، ويؤكد أن هذا التموضع يستند إلى تنسيق مستمر مع أطراف إيرانية وفصائل منضوية في المحور ذاته. ويحرص المتحدث على تقديم هذا التقارب باعتباره خيارا استراتيجيا يتجاوز البعد الظرفي المرتبط بمراسم العزاء، عبر الإشارة إلى أن خطوات الاحتجاج المقترحة أمام بعثات دبلوماسية أجنبية ليست مجرد مبادرات رمزية بل جزء من ما يصفه برؤية مشتركة للدفاع عن «الوجود» في مواجهة ما يسميه «العدو الصهيوني».
الفيديو المتداول يكتسب دلالته من المكان والتوقيت معا؛ إذ يبدو أن مجلس العزاء الذي احتضنته السفارة الإيرانية في الجزائر شكّل فضاءً سمح لأعضاء الوفد بالتعبير علنا عن اختياراتهم السياسية وتحالفاتهم الخارجية، في لحظة تعيد فيها طهران ترتيب علاقاتها ضمن بيئة إقليمية متوترة بعد التغييرات التي شهدتها القيادة الإيرانية. ويشير مضمون المداخلة إلى أن التنسيق الذي يتم الحديث عنه لا يقتصر على تبادل المواقف أو الخطاب السياسي، بل يتعداه إلى تصور أشكال تحرك ميداني موجّه، مثل تنظيم وقفات أمام السفارات الأمريكية في بلدان مختلفة، بما يمنح إيران واجهة إضافية لتحريك الشارع عبر وكلاء غير رسميين.
وتنقل تقارير صحافية أن المراسم التي احتضنتها السفارة الإيرانية بالجزائر عقب وفاة خامنئي عرفت حضور عدد من الدبلوماسيين وشخصيات سياسية جزائرية، إلى جانب ممثلين عن جبهة البوليساريو، ما ساهم في توسيع دائرة التفاعل مع مضمون التصريحات المسجلة داخل الفضاء الدبلوماسي. وتلفت هذه المعطيات إلى أن الوفد الانفصالي استغل المناسبة ليس فقط لتقديم واجب العزاء، بل أيضا لتوجيه رسائل سياسية موجهة إلى أكثر من مخاطب، من بينها دول الخليج العربي والولايات المتحدة، عبر ربط معركته المحلية بخطاب أوسع يتبنى سردية المحور الذي تقوده طهران.
في موازاة ذلك، أعادت المنصات الرقمية تداول مقاطع من الفيديو على نطاق واسع، مع تسجيل قراءات متباينة لطبيعة النقاش الذي دار داخل السفارة الإيرانية، بين من يضعه في خانة التعبير العلني عن تحالف قائم منذ سنوات، ومن يرى فيه خطوة جديدة نحو توسيع حضور إيران في منطقة الساحل والصحراء عبر بوابة البوليساريو. كما أتاح انتشار التسجيل لفاعلين إعلاميين وسياسيين من المنطقة تسليط الضوء على الطريقة التي يتم بها توظيف قضايا محلية، مثل النزاع في الصحراء، ضمن تموضعات أوسع مرتبطة بالصراعات الإقليمية بين طهران وخصومها، بما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى قراءة توازنات شمال أفريقيا والساحل.
ومع أن طبيعة العلاقة بين جبهة البوليساريو وإيران كانت موضوع تقديرات وتحليلات في فترات سابقة، فإن ظهور هذه التصريحات داخل مقرات بعثة دبلوماسية رسمية يمنح النقاش بعدا جديدا، لكونها تصدر عن قياديين يقدمون أنفسهم ممثلين للجبهة في مناسبة ذات طابع رسمي. ويطرح هذا الواقع أسئلة لدى عدد من المتابعين حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الشبكات في إعادة تشكيل خريطة التحالفات في منطقة المغرب العربي والساحل، خاصة في ظل تشابك الأزمات الأمنية والسياسية وتزايد حضور الفاعلين غير الحكوميين المتصلين بقوى إقليمية كبرى.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95381379/tsryha...


